ما كان حلم ملايين العراقيين الذين هللوا لسقوط صدام حسين في العام ٢٠٠٣، ان ينتقل العراق من كنف قبضة دكتاتورية عصبوية دموية الى كنف ديكتاتورية مذهبية تديرها من الخارج "ولاية الفقيه". وما كان حلم الأحرار الذين رأوا في سقوط صدام مناسبة لبناء مشرق عربي اكثر انسانية من ذي قبل ان يصير العراق محور المشروع التوسعي الإيراني. اكثر من ذلك بدا واضحا ان ايران ركبت موجة مذهبية في العراق وفي لبنان وسوريا، ووصل الامر الى مرحلة عادت فيها اشباح النزاعات المذهبية القديمة الى الواجهة.
في لبنان، استقوى المشروع الايراني على بقية مكونات البلد بالسلاح، والاغتيالات وبشعار ما يسمى "مقاومة" فخلق مع الوقت طبقية في المواطنية، أشعرت البعض في لبنان بأنها نوع من التمييز العنصري. وادى ذلك الى احتقان كبير يشعر به كل اللبنانيين، وخوفهم ان يصل الاحتقان المذكور الى حد انفجار، ولا سيما بين اكبر مكونين في البلد، السنة والشيعة. وعند ذلك لا يعود ينفع الكلام على "مقاومة " ولا على "القضية الفلسطينية" كشعارات يتجلبب بها المشروع الايراني في لبنان والمنطقة عموما.
في سوريا، دام الحلف المقدس بين ايران الاسلامية الشيعية والنظام العلوي الطابع أربعة عقود، ولا تزال مفاعيله ظاهرة للعيان من خلال الانخراط الايراني الكامل في الحرب الدموية التي يخوضها النظام ضد الثورة، وقد ادت الى مقتل ما يزيد على ستين الف سوري منذ اندلاعها في 15 آذار ٢٠١١.
في العراق ما عاد استتباع فريق الحاكم الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي خافياً على احد. فالمالكي يعتبر في نظر فئات واسعة من العراقيين مذهبياً متحالفاً لا بل تابعا للمشروع الايراني ويخضع لنفوذه في كل ملفات الداخل والاقليم. وقد ادت ممارسات أجهزة أمن الحكومة التي يقودها قريبون من المالكي الى احتقان سياسي اجتماعي ومذهبي كبير انفجر اليوم في تظاهرات ضخمة في المناطق ذات الغالبية السنية. وهي تنذر بالتحول ثورة عارمة سليمة في البداية ومسلحة في ما بعد اذا ما واجهها المالكي وحلفاؤه بالقوة. ومعلوم ان الغلبة الحالية في العراق نسبية وقد لا تدوم. ومن نتائج الاحتقان الذي نتحدث عنه ان يعود عزة ابراهيم الدوري نائب صدام حسين السابق الى واجهة الحدث بخطاب مصور هو الأول من نوعه منذ سنوات طويلة. لقد طوى النسيان بعث العراق اثر انهيار النظام في العراق، وها هو المشروع الإيراني العامل في كل من لبنان وسوريا وخصوصا العراق يعيد إحياء رموز بدت لفترة جزءا من ماض لن يعود.
نحن لا نزعم ان البعث العراقي عائد بالضرورة، بل نقول ان ايران بسياساتها التوسعية في المشرق العربي دفعت الأمور الى مستويات متقدمة من التوتر على قواعد مذهبية تشعر ابناء هذه المنطقة ان التاريخ عاد بهم الفا واربعمئة عام الى الوراء.
اليوم عزة الدوري، اما غدا فمن يدري من سيكون هنا لمنازلة مشروع "ولاية الفقيه"؟