جملة من الملاحظات تُتيح لأي مواطن فهم حقيقة المقصد العوني من خلال الإطلالة المؤتمريّة لوزير كل الطاقات والمتعلقة حصراً بموضوع النازحين، شرط أن يكون هذا المواطن، متابعاً لتسلسل الأحداث والمواقف والطريقة الخطابيّة الهجوميّة حيناً والدفاعيّة ـ التراجعيّة أحياناً.
بعيداً عن وَلَع الوزير النشيط بعقد المؤتمرات، يكاد يشعر من لم يُشاهد جبران باسيل من قبل بأنه صاحب حقّ يتكلم باسم اللبنانيين جميعاً مسلمين ومسيحيين، بحيث يبدو خائفاً ومحافظاً في آن على مصالحهم كما هي الحال في موضوع اتصالاتهم وطاقتهم المائية والكهربائية وحتى النفطية، فيما يظهر للمتابع الدائم للحركة "الباسيلينية" أنّ ما بيّن ثلاثاء انتهاء الأزمة الشهير الذي حدده الـOncle "عون" منذ 500 يوم تقريباً، واعتراف الناطق الرسمي باسمه بالأمس بأن هناك أزمة حقيقية قدّ لا تنتهي في سنوات، فرق كبير، لا بل تراجعاً كبيراً معطوفاً على تراجع السيّد حسن نصرالله الأخير لحظة اعترافه بوجود معارضة في سوريا، طالباً من "حكومته" الشروع في التفاوض معها لإيجاد حلّ للمحتجزين اللبنانيين الـ9 في أعزاز.
المشكلة إذاً ليست وليدة الساعة ليرميها باسيل إعلامياً بوجه اللبنانيين سائلاً بكلام لامسؤول "وينيي الدولة"… بعدما مارس في الحكم ما مارس وعطّل ما عطّل وحصد ما حصد ومرّر ما مرّر وفشِل فشلاً ما بعده فشل بالتكافل والتضامن مع باقي الحلفاء.
مسألة النازحين السوريين والفلسطينيين ليست بجديدة، تماماً كما المحتجزين اللبنانيين في أعزاز، الجديد هو اعتراف فريق 8 آذار بأن هناك أزمة نظام حقيقيّة في سوريا، والأهم، بأن هناك توازناً للقوى في سوريا، والاعتراف الضمني "الممانعاتي" بتوازن القوى يعني أكثر من ذلك بكثير لصالح المعارضة.
وينيي الدولة؟ عظيم، لماذا لم تضع حكومة "كلنا للعمل" الذي يُشكِل النموذج "الباسيليني" عمودها الفقري خطِة عمل حكيمة لإيجاد حلّ غير استفزازي لموضوع النازحين يضمن حمايتهم من طائرات الأسد ويجعل من لبنان ممراً لا مقراً لهؤلاء، حكومة عمرها من عمر الأزمة سكتت وتغاضت وتآمرت وناورت ولم يخرج منها أحداً ليقول "اللهم أشهد أني بلّغت"، لماذا، لأن هناك صفقات كبيرة وسمسرات مغريّة ولا يجوز تركها، هناك جوع عتيق لكسب المغانم، هناك جشع ما بعده جشع للتربع على كراسي الحصص والأهم، النيّة المجهولة-المعلومة لفرض أمر واقع جديد "إما انتخابات نسبيّة مشبوهة وإما تطيير الانتخابات من أساسها"، ناهيك عن الأحلام المستجدة بشفط النفط… ويأتيك وزير كلّ الوزارات ليسأل بطريقة كاريكاتورية "وينيي الدولة"؟.
نعم، مسألة النازحين هي مشكلة المشاكل، لكن فشلكم في الإدارة وعدم وضع خطة منذ سنتين هو المشكلة الأكبر، تمسككم بـ"جهنمية الحكم" وعدم استقالتكم اعتراضاً هو المُعيب الأكبر، عدم اعترافكم بوجود معارضة في سوريا وحصرها بالإرهاب كان السبب الأساس للوصول إلى ما وصلنا إليه، فهل يعتقد ساذجاً أن الثنائي الشيعي كان ليوافق معكم (ولوّ شكلياً) على إغلاق الحدود بوجه الشعب السوري الذي شرّع أبوابه في العام 2006 لكلّ لبناني هارب من الموت المحتم، أم وزراء التقدمي الذين أعلنوا موقفاً واضحاً وصريحاً منذ اليوم الأول… للتذكير فقط، لم يخرج صوت سوري يقول لضحايا حرب تموز الهاربين أن صيدا وبيروت وعاليه والمتنيّن وكسروان وطرابلس هم أقرب إلى أهل الجنوب والضاحية من دمشق وحمص وحماة وإدلب ودير الزور واللاذقية وطرطوس…
في الحروب اللبنانيّة (حرب المئة يوم ـ حرب الجبل ـ حرب التحرير والإلغاء) وغيرها من الحروب التي هجرّت خيرة الشباب اللبناني، لم نسمع يوماً أن كندا وأميركا وأستراليا وقبرص والسعودية وقطر والبحرين وغيرها من الدول، أغلقت أبوابها بوجه اللبناني الهارب من آلة القتل سيّما الأسديّة التي كانت سبباً أول في قتلنا وذبحنا وتأليب بعضنا على البعض الآخر تارةً بالترغيب وتارةً بالترهيب ناهيك عن استقبال فرنسا للمنفيين كالرئيس الجميل، العماد عون، اللواء أبو جمرة، اللواء معلوف، العميد كرم والصحافي بيار عطالله وصولاً إلى عناصر المواكبة الشخصية للجنرال عون كالنقيب حبيب فارس والياس شداد وبطرس دحدح وسمير بو عيد وغيرهم، لماذا هذا التذاكيّ إذاً لوّ لم يكن للمزايدة المسيحية هدف هو تحقيق مكاسب انتخابية فقط لا غيّر…
كان من واجبكم التعاطي الموضوعي مع الثورة، أي التعاطي الإيجابي مع الأحداث السورية الذي من شأنه إيجاد الحلّ السليم لموضوع النازحين الهاربين من طائرات بشّاركم وإجرامه اللامحدود واللاموصوف، لإشراك أكبر عدد من الدول المجاورة وغير المجاورة رسمياً بتحمل المسؤولية بدلاً من النأي بالنفس إلا عن النِفاق.
أيضاً وأيضاً يستغرب الوزير المُضحِك مساعدات السفارات لمجموعة من المستشفيات من دون المرور لا بالحكومة ولا حتى بوزارة الصحة، متناسياً أن حرب 2006 سمحت للمال الإيراني النظيف أن يأتي لحزب الله حصراً من دون المرور بوزارة المال لإعادة الإعمار، مروراً بشكراً قطر وشكراً كويت وشكراً سعودية على قاعدة تكريس العرف أو على الأقل، تأكيداً للمثل التركي القائل "كما في بيتك كذلك في إسطنبول…".
أما العنصرية التي وضع أول أسس محاربتها شارل مالك من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فلا تستغربوا أبداً إلباسكم لبوسها، فمن فتح منابره الإعلاميّة غِبّ الطلب للداعية التكفيري الذي أخرجه حزب الله من السجن عمر بكري فستق والذي لا يُمثل في الوجدان السني شيئاً، فقط لاستثارة العصبيّة المذهبية وتصوير كلّ السنة على صورة فستق ومثاله، متناسياً ومتجاهلاً زينة الميلاد التي عمّت ساحات "الإمارة الإسلاميّة" طرابلس هو من يلبس لبوس العنصرية.
من تشدّق لنشر تسجيلات مفبركة بعد أنّ رفضتها وسائل إعلامية عدة وفقط لتأجيج النفحة المذهبيّة هو أب العنصريّة وأمها وكلّ أفراد عائلتها، من لم يرَ في ثورة الشعب السوري إلا صورة العرعور وبن لادن، هو من يرتدي بنفسه العباءة العنصرية بتكفيره أغلبيّة الشعب السوري المنبثقة من أغلبيّة الوطن العربي.
أحياناً، تُخجلني بعض المواقف، حتى لوّ أعلنت براءتي منها، فإن لم تخجلوا إفعلوا ما شئتم… لكن تأكدوا، التاريخ ليس ثرثاراً.
()عضو لجنة الإعلام السابق في "التيار الوطني الحر"