كتبت صحيفة "الراي" الكويتية:
بين إلغاء الرئيس اللبناني ميشال سليمان جولة الحوار التي كانت مقرّرة اليوم في قصر بعبدا من دون تحديد موعد لجولة بديلة والاستعدادات القائمة لإحياء عمل اللجنة الفرعية لقانون الانتخاب غدا في مجلس النواب، يبدو المأزق السياسي الداخلي في لبنان متجهاً نحو مزيد من المراوحة والتعقيدات اقلّه في الشهرين المقبلين.
ولعل المفارقة التي برزت في الساعات الماضية تمثلت في جدية كبيرة ظهرت في تعامل القوى السياسية المختلفة مع التحضيرات الجارية لانطلاق اجتماعات اللجنة النيابية المصغرة المعنية بملف القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات النيابية في 9 حزيران المقبل، في حين ان أياً من الافرقاء المعنيين لا يُظهر أوهاماً بأن اجتماعات اللجنة ستفضي حكما الى توافق سياسي ونيابي على قانون انتخاب جديد. ذلك ان اجتماعاً سرياً عُقد قبل يومين لقوى «14 آذار» جرى خلاله تنسيق الموقف الموحد الذي ستطرحه في اجتماعات اللجنة والذي يرتكز الى مشروع القوى المسيحية لفريق «14 آذار» القائم على 50 دائرة انتخابية صغيرة وعلى أساس نظام الاقتراع الاكثري، في حين ستعقد قوى «8 آذار» بدورها اجتماعاً لتنسيق موقفها النهائي في اللجنة علماً ان هذا الفريق يدعم مشروع الحكومة على أساس الدوائر الـ 13 والاقتراع النسبي فيما يندفع زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون الى دعم «مشروع اللقاء الارثوذكسي» القائم على ان ينتخب المسيحيون نوّابهم الـ 64 والمسلمين نوابهم الـ 64، وهو الطرح الذي صار واضحاً انه في إطار «المزايدة» المسيحية ومحاولة إحراج مسيحيي «14 آذار» الذين تحدّوه بدعوته الى جعل الحكومة تقرّ هذا المشروع اولاً وتحيله على البرلمان وعندها يكون «الكلام الجدي».
كما ان الاجتماع الثلاثي الذي عقد في قصر بعبدا قبل يومين وضم الرئيس سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط، يسعى الى تنسيق لبلورة موقف «وسطي» منسجم حيال قانون الانتخاب وسط اصرار الزعيم الدرزي على قانون الستين الحالي ورفضه الكلي للنسبية ودعوة رئيس الحكومة اياه الى التفكير في مشروع الوزير السابق فؤاد بطرس الذي يزاوج بين نظام الاقتراع الاكثري والنسبي ضمن المحافظة والقضاء.
وتقول مصادر معنية بمجمل هذه الحركة ان ميزان التوقعات عشية انطلاق اجتماعات اللجنة النيابية غداً في مجلس النواب يبدو راجحاً بقوة نحو الشكوك العميقة التي تستبعد نجاح اللجنة في التوصل الى مشروع توافقي لقانون انتخاب جديد. وتلفت في هذا السياق الى ان تباعداً كبيراً لا يزال قائماً بين مختلف الافرقاء حول أي مشروع انتخابي مطروح او يمكن ان يُطرح، ولا يبدو فعلاً ان ثمة قراراً سياسياً لدى اي فريق بأن يقدم تنازلات جوهرية وملموسة في اتجاه خصمه أو خصومه في الفريق الآخر.
وتعتقد هذه المصادر ان اجتماعات اللجنة اقله وفق المعطيات الماثلة حالياً، قد لا تعدو كونها عملية تقطيع للوقت لا يضير أي طرف الانخراط فيها ما دامت توفر للجميع عاملين أساسيين: الاول اختبار النيات السياسية والحسابات حيال المرحلة المقبلة من خلال تعامل كل طرف مع المشاريع الانتخابية المطروحة. والثاني ملء فراغ الانتظار اللبناني لتطورات الازمة السورية بهذه الاجتماعات وربما بسواها لاحقاً.
لكن المصادر تبدي شكوكا عميقة من أي احتمال ايجابي يمكن ان يقود اللجنة الى تحقيق اختراق في جدار الازمة السياسية والتوصل تالياً الى توافقات عريضة على مشروع قانون انتخاب جديد. وهي ترى ان الوقت لم يحن بعد، رغم بدء العد العكسي للانتخابات النيابية، لوضع جميع القوى السياسية امام المحك الحاسم في التوصل الى توافق انتخابي أو في بتّ اجراء الانتخابات في موعدها رغم دعوة وزير الداخلية مروان شربل الهيئات الناخبة الى الاقتراع في 9 حزيران عملاً بالمهل الدستورية. وهذا التوقيت يعتبر عاملاً اساسياً لتبين المسار الذي سيسلكه لبنان في الاشهر الستة المقبلة والحاسمة لاستحقاقه الانتخابي كما لمصيره السياسي والامني. وتعتقد المصادر ان هذا الاختبار لم يحن اوانه بعد، وان توقيته سيكون رهنا بضغوط دولية كبيرة على لبنان بعد فترة لحمل الدولة والحكومة والقوى السياسية على التزام الانتخابات في موعدها، وعندها فقط يمكن تبين إذا كانت تسوية ما لقانون الانتخاب لا تزال ممكنة أم لا وأيّ اتجاه سيسلكه لبنان.