كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
لم يأتِ "خطاب الحلّ" لرأس النظام السوري بشار الأسد من وسط دار "الأوبرا"، إلا بعدما أدرك أن الربيع العربي حلّ نظامه البعثي العبثي، وكشف خريفه المزوّر منبئاً بوداع قريب على وقع التصفيق وهدير سفن حربية روسية في طرطوس! إلا أن أبرز ما مرّره الأسد في خطابه، كان عبارة عن رسائل تطمين الى ضباطه وحاشيته في الداخل، كما الى حلفائه "الممانعين" في لبنان والمقتدين بسياسته والمؤمنين بأن الاستبداد هو الطريق الى الانقلاب على الشرعية، في سوريا كما في لبنان.
ليس غريباً بالنسبة الى "مجرم متمرّس" ورث "فنّ" الإبادة والمجازر والمحارق عن نظام والد حكم الشعب السوري بيد من سلاح، أن يعتبر أن 40 ألف قتيل هو نذير ربيع مزوّر. وفي حين يخوّن الأسد كل المعارضين لنظامه في الداخل والخارج، وبالتالي كل الشعب الثائر على استبداده، ويتّهمهم بأنه "غرباء"، فطرح في خطابه "مبادرة حوارية" استبعد فيها كل الأطراف المعارضة فلم يتبقَّ له بالتالي إلا أن يحاور نفسه، ولكنه "تنازل" وأعلن أنه لن يمدّ يده إلا لـ"الأحزاب والأشخاص التي لم تبع وطنها للغريب"، مطالباً بـ"إرجاع النازحين الى سوريا" وفي موقفه هذا تطابق مع مواقف قوى 8 آذار في الأسابيع الأخيرة والتي دعت الى إقفال الحدود وإرجاع النازحين من سوريين وفلسطينيين الى الداخل السوري.
من هنا، وطالما أن الأسد يصرّ على "استرجاع" الهاربين من إجرامه ليقضي عليهم في الداخل، لا بدّ أن تستكمل قوى 8 آذار، من جهتها، حملتها غير الإنسانية على هؤلاء المظلومين تلبية لرغبة الطاغية. وتجوز المقارنة هنا بين رئيس ارتكب المجازر بحقّ شعبه وبين أحزاب في الداخل اللبناني تضع خدماتها بين يديه، حيث يريد الأول التعاون مع "الأحزاب التي لم تبع وطنها للغريب" فيما يقبل، برضى "الممانعين" في لبنان، أن يبيع هؤلاء وطنهم للنظام السوري "الغريب"!
في خطابه لم يوفّر الأسد أي طرف لبناني، مستكملاً بذلك حملة التزوير التي كانت بدأتها وسائل إعلام قوى "الثامن من التزوير" كما وصفها النائب عقاب صقر، فدعا الأسد بالتالي الى "وقف تمويل وتسليح الإرهابيين من قبل الدول الخارجية". ويُسجّل هنا للقاتل وللممانعين معاً تناغم في المواقف وتنسيق حرفي كامل في دقة تنفيذ الأوامر وتفويض واضح ومباشر من الأول الى الطرف الثاني لترهيب الأحرار في لبنان وسوريا بتحذيرات فارغة من أي مضمون.
كذلك وفي السياق عينه، يستعمل الأسد التحذيرات نفسها حين يستخدم عبارة "ضبط الحدود" التي لم تكن تناسبه في بداية الثورة السورية، فيما اليوم باتت الأكثر ملاءمة له ليمعن أكثر فأكثر في تلويث نفسه بدماء الأبرياء من رأسه حتى أخمص قدميه.. على المنوال نفسه تسير قوى 8 آذار لتكون بذلك الشريك الأساسي للأسد في سياساته الداخلية والخارجية، خصوصاً حين يربط "رئيسهم" من خارج الحدود، وقف التمويل بالسلاح وإعادة النازحين بإقفال الحدود، وهذا ما يؤكد ما نشرته "المستقبل" في التقرير الخطير حول إرسال الأسد مندسين بين النازحين.
و"خطاب الحل" ذاك، الذي بدا فيه الأسد أبعد ما يكون فيه عن أوصاف الأسد المفترس أو حتى عن اللبوة، فلم يكرر نفسه موضوعاً فقط إنما بدا "تكراراً" أو بثاً "غير حيّ" لخطاب رئيس مختبئ خلف جثث الأموات ومقاتلاً بهزء من بقي على قيد الحياة. بدا الأسد غريباً في داره "دار الأسد للثقافة والفنون" في دمشق، وربما هو أراد أن يكون خطابه ذاك، الخطاب المباشر الأول منذ سبعة أشهر، إلا أن ثورة الشعب السوري أعاقته أو بالأحرى أخافته.
حتى "جمهوره" بدا بارداً خلال تصفيقه الحادّ كما يظهر على الشاشة. جمهور برامج الألعاب والتسلية التي تحتاج لتحقق نجاحاً شكلياً الى "زقّيفة"، وتصفيق الجمهور لم ينجح في أن يرسم إشارة تفاؤل على وجه القاتل. خاف الرئيس من أن يحوّله الخطاب الحيّ الى رئيس ميت، وهو نصف حيّ، مدركاً أن الأحياء لن يصفّقوا له.. كان بإمكان بشار أن يخذف كلمة "خطاب" ليقدّم الحلّ الأنسب والوحيد لسوريا باستقالته الفورية.
وبعد هذا الخطاب، أضيف العديد من أوجه الشبه بين الزعيم "الناري" بشار الأسد والزعيم النازي أدولف هتلر، منها وأهمها أن هتلر ألقى خطابه الأخير من دار الأوبرا "كرول" في العاصمة برلين، فيما الثاني اختار دار الأوبرا التي تحمل اسمه في العاصمة السورية.. عساه أن يكون الأخير. وفي تحليل لمضمون كلامهما، يتّضح أن إعلان الحروب جاء انطلاقاً من واقع كل منهما الضعيف، حيث أعلن هتلر في خطابه ذاك الحرب على أميركا فيما شنّ بشار الحرب على كل العالم.
فعلاً خطاب المجرم يستحق تصفيقاً، فقد جاء في توقيت "محشور" فضح فيه بشكل مباشر لا يحتمل الشكّ مواقف قوى 8 آذار وأخرجها الى العلن والملأ وهي لا تزال تردد "طلباتك أوامر". والظاهر أن "خطاب الحلّ" ليس فقط "منفصلاً عن الواقع" كما وصفته الخارجية الأميركية لا بل "منفصماً" عن نفسه ومتصّلاً فقط بـ"الممانعين" الذي يشكلون له "القشة" الأخيرة. يستحق خطاب القاتل التصفيق لأنه يردد لازمة "الأوبرا" ذاتها منذ اندلاع الثورة في سوريا في آذار 2011 دونما اعتراف بالأزمة الحاصلة، وأخيراً يستحق التصفيق لأنه صدَق حين قال لتلفزيون "روسيا اليوم" في حزيران الماضي أنه "سيعيش ويموت في سوريا". "خطاب الحلّ" حلّ أعصاب بشار و"حلحل" معه أوصال النظام البعثي.. فهل يكون تأثيره "انحلالاً" على الممانعين في لبنان، أم أمر عمليات جديداً؟ وهل يكون خطاب الأسد هو الأهمّ لمستقبل سوريا كما كان خطاب هتلر؟
في هذا الإطار، يرى عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت أن الأسد "يردد في خطابه المواقف نفسها مثلما تفعل قوى 8 آذار منذ سنتين". ويتابع "انطلاقاً من عقل بشار الأسد، فإن خطابه أمر عمليات يثبت من خلاله أنه موجود ولن "يتزحزح" وعلى الجميع التفاوض معه لأنه يريد أن يقيم إصلاحات يعد بها منذ سنتين من دون أن يحقق أي إصلاح".
ويصف الخطاب الخطاب بأنه "لا يقدّم أي تطوّر فكري باتجاه طروحاته التي لم يبدّلها، رافضاً واقع الثورة معتبراً أن كل ما يحدث يتحمّله المتطرفون". ويضيف "في خطابه أراد بشار القول أن لا أفق لأي حلول إنما استمرار للحرب".
ويلفت أنه "في خطابات بشار كلّها لا وجود لأزمة في سوريا ولا لثورة شعب ومجازر". مضيفاً "أما رسائله الى قوى 14 آذار التي تناولت وقف التسليح فباتت سخيفة ولا أحد يهتمّ لها لأن الواضح أن الطريقة التي يطرح من خلالها الأمور غير قابلة للتطوير".
من جهته، يعلّق رئيس "اللقاء المستقل" وعضو الأمانة العامة في قوى 14 آذار المحلل السياسي نوفل ضوّ على خطاب الأسد قائلاً "سبحان اللي بغيّر وما بيتغيّر" موضحاً "كنا لغاية الأمس القريب نعاني من نظرية النظام السوري لشعب واحد في دولتين وكان النظام يرفض ترسيم الحدود مع لبنان وكان لبنان يصرّ على ترسيم الحدود ونشر الجيش اللبناني، غير أن النظام وقوى 8 آذار رفضوا هذا الموضوع".
ويتابع ضوّ "أما اليوم فقد باتوا يطالبون بإقفال الحدود ومنع دخول النازحين الى لبنان.." ويضيف "الأمر سهل جداً، فالمزايدات لا تنفع فقوى 8 آذار هي الموجودة في السلطة والحكم وعلى الوزير جبران باسيل بدل أن يقيم مؤتمرات صحافية في البترون، أن يجد حلاً للأمور على طاولة مجلس الوزراء عندها يمكن أن نبني انتقاداتنا على مواقف الحكومة"، معلّقاً "لا يمكن لأحد أن يكون داخل الحكومة وخارجها في الوقت عينه".
أما من الجانب السوري، فيرى أن "بشار الأسد ليس في موقع يسمح له بتوجيه الرسائل، حيث أن وضعه مزرٍ لدرجة فقد فيها البوصلة السياسية والأمنية". مضيفاً "الطريقة التي تحدث فيها تؤكد أن المشكلة في سوريا لم تعد مشكلة الشعب السوري أو الثورة أو الحروب إنما مشكلة بشار الأسد الذي لا يجيد قراءة المعادلات الداخلية ولا الإقليمية والدولية".
وعمّا إذا لمس تبدّلاً في مضمون خطابه، يشدد ضوّ على أن "الأسد يعود بنا في الذاكرة الى الاجتياح الأميركي للعراق والقذافي في باب العزيزية، لا أكثر ولا أقل". وعما إذا كان سينعكس خطابه تغييراً أو تلازماً لسياسة قوى 8 آذار، يجيب ضوّ ممازحاً "علينا أن ننتظر يوم الثلاثاء!".