عند حدود ستين الف قتيل قلب الرئيس بشار الاسد الصفحة ليبدأ فصلاً جديداً من كتاب الدم الذي كان الاخضر الابرهيمي قد بشرنا انه قد يصل الى مئة الف قتيل وأكثر. لكنه لم يقدم لا "خطاب الحل" ولا "خطاب الوداع"، بل "خطاب الإنكار" او إستمرار الازمة، بما يؤكد ان امام السوريين طريقاً طويلاً من الدم عليهم اجتيازه ربما الى الجحيم الذي رآه الابرهيمي!
واذا كان الاسد قدم ما سمّاه خطة للحل من ثلاث مراحل هدفها الواهم طبعاً، محو سنتين من عمر المأساة للعودة الى حكم الطغيان والاستبداد، فإن القراءة الهادئة في الخطاب والأبعاد الإقليمية والدولية التي تحيط بالأزمة ترسم ثلاث حقائق برزت عبر ما قدمه الاسد في عراضته وسط التصفيق المصطنع:
اولاً: أرسل الاسد المقاتلات لتسقط القنابل على حلب واخواتها ووقف ليسقط قنبلته التي أرادها ان تدمر كل الوساطات والمشاريع السابقة، عندما اشترط على اي مبادرة تأتي من الخارج ان تندرج تحت سقف مبادرته "السيادية" التي تقوم على اعتبار ان لا ثورة في سوريا ولا ثوار بل "جراثيم وارهابيون وقتلة ومجرمون"، وهذا ينسف كل الوسطاء والوساطات من مبادرة "الجامعة العربية" الى نقاط كوفي أنان الستة مروراً بأفكار الابرهيمي ومبادرة فاروق الشرع وهي مبادرة النظام عينه وقد اعلنت على لسان الشرع، وايضاً اتفاق "جنيف 1" و"جنيف 2" على الاقل لجهة مطالبة النظام بوقف النار اولاً وسحب الاسلحة الثقيلة، فها هو يملي شروطه على الجميع، المعارضة والدول الاقليمية التي تدعمها وذلك كمقدمة لحل ملخصه: ادفنوا قتلاكم وتعالوا الى طاعتي من جديد!
ثانياً: صحيح ان خطابه يشكل انفصاماً كلياً عن الواقع المأسوي في سوريا لكنه انفصام يستند في النهاية الى معطيات الواقع الكارثي للسياسة الدولية حيال الازمة السورية، فليس سراً عشية المحادثات المتوقعة بين كلينتون ولافروف والابرهيمي ان التردد الاميركي – الغربي في دعم المعارضة يترسخ أكثر مع اتساع الحديث عن نفوذ الاسلاميين في صفوف الثوار، ولا من الاسرار ان تراجع الدعم الخليجي للمعارضة نتيجة ضغوط اميركية تنطلق من تصوير سوريا بؤرة محتملة لـ"القاعدة" للإنقضاض على دول الاقليم!
ثالثاً: واضح ان الاسد يستأسد من منطلق ادراكه أن وصول الاسطول الروسي الى طرطوس هو لحمايته وللرد على صواريخ باتريوت الغربية في تركيا ولترجمة ثبات تمسك موسكو بنظامه، وان التطورات المتصاعدة في العراق زادت تمسك ايران به، وان السياج الاسرائيلي في الجولان سيقنع واشنطن اكثر بترك سوريا ساحة لمذبحة تتخبط فيها ايران وروسيا ويتهاوى في جحيمها اهل "النصرة" ورفاقهم!
إنه كتاب الدم، فصل اول من ستين الف قتيل… والآتي أعظم!