#adsense

أيها الإخوة المواطنون… فهمتكم… من أنتم؟

حجم الخط

 لعل السمة الأبرز في خطاب الرئيس بشار الأسد هو أنه ألقاه في دار الأوبرا بدمشق. إنه مكان ملائم تماماً للأداء المسرحي الذي قدّمه الرجل القوي في سوريا خلال إلقائه نصاً مكتوباً بتأنِّ لم يقل فيه أيّ جديد، ولم يُقدّم أي مادّة جوهرية لشعب يمرّ في أسوأ أزمة سياسية وعسكرية في تاريخه.

نستشفّ من الخطاب تلاشي سلطة الحاكِم الذي كان يزرع الخوف من قبل، ومعه نظامه المفلِس. عرض الأسد رؤية جديدة فضحت تعاميه عن الواقع على الأرض في بلاده. فقد كشف كلامه عن نظرة حكومته إلى الحوار، انسداداً خطيراً في فرص التفاوض مع المعارضة التي تسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد ومن مدن أساسية مثل حلب بلوغاً للعاصمة دمشق. كما أن تهديداته بمحاربة الإرهاب وهتافات "بالروح بالدم نفديك يا بشار" التي ردّدها الحشد الذي اختير بعناية شديدة، فضحت مرّة أخرى واقع كون الرئيس يحتاج إلى مسرح مجهّز بالديكورات اللازمة مع توزيع الأدوار على المؤدّين، كي يُظهر أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور لأن الأحداث على الأرض تثبت العكس تماماً.

لكن الرئيس الأسد تكلّم يوم الأحد، ولا بد من أن نُسجّل له أنه حاول، ربما للمرة الأخيرة، التأثير في المحادثات الجارية داخل سوريا وخارجها، ولجم المعارك الدائرة في أنحاء البلاد. لو لم يكتفِ بذكر مئات آلاف اللاجئين السوريين بطريقة عابرة، وتوقّف أكثر عند المشقّات التي يتكبّدونها، لبدا ربما أكثر صدقاً. لو ذرف دمعة واحدة على عشرات آلاف الأشخاص الذين سقطوا بسبب تعنّته وعدم استعداده للإقرار بأن التغيير هو السبيل الوحيد لوضع حد للحرب المستعرة في بلاده، لكسب ربما بعض المؤيّدين الجدد في صفوف شعبه أو في الخارج. لو أبدى ندماً أو لمّح إلى وجوب تنحّيه عن السلطة أو أقرّ بشرعيّة المعارضة السورية، لاجتذب ربما مزيداً من الآذان الصاغية لخطبه المقبلة، إذا كانت ثمة خطب مقبلة.

لكن الرئيس الأسد لم يُقدّم شيئاً ما عدا صورة عن نفسه تشبه إلى حد كبير صورة الديكتاتوريين العرب الآخرين في اللحظات الأخيرة من عهودهم، وعند البوادر الأولى لسقوطهم. على رغم أن الأسد لم يستخدم كلماتهم بالضبط، إلا أنه كرّر عبارة زين العابدين بن علي السيئة الذكر "أنا فهمتكم" في حين أنه لم تكن لديه أدنى فكرة عما يريده الشعب التونسي. وكرّر الأسد أيضاً الشعار الفارغ الذي ردّده حسني مبارك "أيها الإخوة المواطنون" مع العلم بأنه لم يتعامل معهم على الإطلاق كإخوة له. يبدو الأسد في أدائه كأنه يكرّر السؤال الميلودرامي الذي وجّهه القذافي: "من أنتم؟"، ولو بأسلوب أقلّ حدّة، فقد حاول تشويه سمعة المعارضة السورية بنعت الثوّار بأنهم "حفنة من المجرمين" و"الإرهابيين".

عرض الأسد لرؤيته عن إنهاء المأزق في سوريا على ثلاث مراحل. ولكن نظراً إلى الفتور الذي تعامل به العالم مع خطابه حتى الآن، لا يبدو لنا أن كثراً يحبسون أنفاسهم ترقّباً لنتائج جدّية على الأرض.
على غرار الزعماء العرب الذين حاولوا من قبله إنما فشلوا، جل ما يستطيع الأسد فعله في رأيي، في هذه المرحلة من اللعبة، هو إلقاء الخطب في أماكن تخضع لحراسة أمنية مشدّدة. قد يكون خطاب الأحد الخطاب الأول لسقوط الأسد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل