لم يختلف خطاب بشار الأسد الاخير في روحيته عن جميع خطبه السابقة. فمنذ الخطاب الاول في 30 آذار 2011، بدا واضحا ان الخيار الوحيد الذي اعتمده النظام هو موروث عن "الاب المؤسس" حافظ الاسد، أي الحديد و النار. ففي حين كان من الممكن، وبسهولة نسبية احتواء انتفاضة درعا الاحتجاجية في أيامها الاولى، عبر اتخاذ خطوات تأديبية بحق المسؤولين عن اعتقال الاطفال وتعذيبهم، وتعنيف النساء، و إطلاق النار على المدنيين المعتصمين في الجامع الاموي في قلب البلدة، اختار الاسد و بطانته التعامل بالحديد والدم مع الازمة والمضي الى جحيم القتل المتعمد في كل مكان. و ما هي إلا بضعة أسابيع حتى اشتعلت المظاهرات في سوريا من أقصاها الى أقصاها، و اختار النظام التعامل معها بالاسلوب عينه اي الحديد و النار. وقاومت الثورة السلمية كل أشكال العسكرة لمدة ثمانية اشهر متتالية حتى بلغت الاوضاع حدودا ما عادت تطاق، لتنطلق بعدها الانشقاقات في الجيش، وليلجأ السوريون الى السلاح البدائي للدفاع عن أنفسهم، والبقية معروفة وصولا الى تحول سوريا كلها ساحة لحرب تحرير كاملة الاوصاف بين ثورة تحررية ونظام كان ولا يزال متمسكا بخيار حافظ الاسد الستاليني الذي ما أدى الى وأد الثورة بل فاقمها، وزادها اشتعالا، و اجهز في الوقت عينه على "جمهورية حافظ الاسد" و الارث الذي خلفه لاولاده.
في مطلق الاحوال، لم يشذ خطاب بشار الاسد الاخير في دار الاوبرا عما سبق من خطب لناحية الروحية، و ان يكن تفرد في طرحه لـ"حل" من ثلاث مراحل يبدأ بوقف مشروط لاطلاق النار، يليه مؤتمر وطني، ثم دستور، وحكومة لينتهي بانتخابات نيابية. وفي الوقت الذي حفلت فيه كلمة الاسد بكل أنواع "البروباغاندا" الممجوجة، فإن أهم البنود التي غابت عن "الحل" الذي طرحه الاسد هو البند المتعلق بتنحيه، وتفكيك النظام بمنظومته المخابراتية. هذا اذا ما استثنينا بندا أساسيا نشك ان يقبل السوريون بتجاوزه، هو بند محاكمة أركان النظام وفي مقدمهم الاسد نفسه و بطانته بتمهة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. لكن اذا ما ركزنا على "حل" الاسد (ثمة من يسميه "اللاحل")، يتبدى ان صاحبه و بالتشاور مع الايرانيين قرر المضي في الحرب المفتوحة. ومن هنا كان الرد العربي و الدولي على الخطاب سلبيا للغاية لكونه لا يلحظ بند التنحي. فلا حل في سوريا بوجود بشار الاسد و بطانته مهما حصل. ولا حوار ممكنا معه او مع جنرالاته. والثورة مستمرة مع كل التضحيات التي يقدمها السوريون حتى تحرير البلاد من النظام بكل وجوهه و تركيبته.
وخلاصة القول إن أي حل لا يتضمن تنحية بشار الاسد عن السلطة ومعه أركان نظامه لن يكون قابلا للحياة، و سيكون وصفة لإدامة الحرب الى ان ينتصر فريق على فريق. وفي حالة سوريا فالثورة مقبلة على الانتصار مهما طال الوقت او عظمت الاكلاف. و هذا واضح من خلال متابعة مسرح العمليات العسكرية. أول فكرة أتتني بعد الاستماع الى خطاب بشار الاسد قبل يومين، كانت ان الحرب مستمرة، وسوريا ستغرق في مزيد من شلالات الدم لفترة اخرى.