#adsense

انهيار “إمارة”.. بائع الثلج

حجم الخط

كثر الحديث في الآونة الاخيرة، وتحديداً في أوساط الفريق الممانع عن تسلل لعناصر من تنظيم "القاعدة" الى لبنان من أجل العبث بأمنه واستقراره، إلحاقاً لما يجري في الداخل السوري من حرب مفتوحة يشنها النظام البعثي على الشعب السوري بكل ما لديه من أدوات الفتك والاجرام والبطش، ولم يوفر القصف بالطائرات ولا بالصواريخ البعيدة المدى، في شكل فاق كل اجرام وسفك للدماء، حتى ذلك الذي يمكن أن تملكه العناصر العاملة تحت اسم "القاعدة" والتي لم ترتق بعد الى اسلوب النظام السوري في أداء هذه المهمة، اذ تعتبر في هذا المجال عملية سماحة مملوك على سبيل المثال لا الحصر والتي أوقف بنتيجتها الوزير السابق ميشال سماحة بالجرم المشهود، واحدة من الدلالات الفاضحة لخطورة هذا المخطط والذي تفوق على ممارسات "القاعدة" اعداداً وتنفيذاً.

لقد انخرط في هذا "التشويش" وزراء ونواب ورؤساء كتل من الفريق عينه لاضفاء البعد الرسمي على القضية، في محاولة منهم لإثارة المجتمع الدولي وتنبيهه على ان لبنان سيصبح أرضاً خصبة للنصرة والجهاد اذا ما استمرت الاوضاع على حالها في سوريا، واذا لم يبادر هذا المجتمع الى انقاذ ما تبقى من عائلة نظام الاسد والتي ما برح بعض أدواتها في لبنان يبشرون بعدم سقوط النظام ويروجون الى تسوية آتية لا محالة، والمؤسف ان التحذير من وجود "القاعدة" جاء في البداية على لسان وزير الدفاع في حكومة "قولنا والعمل"، والذي أعطى صافرة الانطلاق لفريقه من أجل التركيز على هذه القضية، علماً أن الحكومة نفسها يفترض أن تكون المسؤولة أولاً وأخيراً عن تفكيك هذه الخلايا اذا ما وُجدت، وملاحقة العناصر النائمة في غير مكان من خلال الاجهزة الامنية كافة، وان لا ترفع المسؤولية عنها باطلاق المحاذير فقط وهي تحمل معها الخوف والقلق لدى الرأي العام الذي يعرف تماماً ان نظام الاجرام السوري هو من كان يصدر هذه الخلايا الى غير منطقة وحي في العراق الشاهدة، كما أحياء لبنان شهيدة وشاهدة. وما الاغتيالات والتفجيرات منذ ثماني سنوات حتى اليوم سوى الدليل الابرز على تقمصه لدور "القاعدة"، ولعل في الشريط المفبرك لـ"أحمد أبو عدس" والذي أدعى فيه ان النصرة في بلاد الشام اغتالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يكون البرهان الساطع على هذا الدور، وخصوصاً بعد أن اثبتت التحقيقات الدولية في الجريمة الارهابية ضلوع مقربين جدا من بشار الاسد في ارتكابها.

وعندما لم يحقق "مسلسل الترويج للقاعدة" كل أمانيهم، وما زالوا يحاولون، التفوا عليه بمسلسل جديد تحت عنوان "الامارة" وتولى رئيس حكومة "قولنا والعمل" شخصياً اعلانه من مدينة طرابلس في "دردشة" لاول مرة منذ سنتين مع عدد من الاعلاميين المؤيدين له بتأكيده أن هناك "امارة ستقوم". وأثار هذا الموقف ردوداً واسعة ومستنكرة كونه صدر عن ابن طرابلس الرئيس نجيب ميقاتي وهو العارف تماماً بحقيقة توجهات وطموحات أبناء المدينة ومدى تعلقهم بالدولة وبمؤسساتها. من أجل ذلك حاول بعد فترة من السجال، الرد على كلامه والذي أطلقه بنفسه، باعتبار ان حديثه عن الامارة يومها لم يكن زلة لسان، بل كان مقصوداً اثارته لغاية في نفس "عرقوب الجديد" والذي يصح فيه وصف "بائع الثلج"، فعاد كما دأبه الى انكار الحديث من أساسه، وادعائه انها جاءت في سياق الدردشة، علماً ان شريط الدردشة وبالصوت أظهر تكرار عبارة "قيام الامارة" أربع مرات ولم تكن عابرة سبيل. وهنا تسأل بعض القيادات في المدينة، أنه اذا كان فعلا هناك من يخطط لانشاء امارة في طرابلس، فلماذا تنأى الحكومة بنفسها، وهي المسؤولة عن حماية البلاد والعباد؟ لا سيما وأن خطة مجلس الدفاع الاعلى، وانتشار الجيش اللبناني إبان الجولة الاخيرة في باب التبانة قبل نحو اسبوعين فقط لم تحمل أي دلالة أو تعليق بأن الخطة الامنية حالت دون منع قيام امارة اسلامية في طرابلس، لاسيما وأن الحديث عن الامارة مجددا، بعد "امارة" شاكر العبسي يستحضر صورة ملف مخيم نهر البارد، وهذا أخطر ما فيه؟

بالامس عاد طرح الموضوع ولكن من وجهة نظر أخرى، وكأن حكومة "قولنا والعمل" لا دور لها ولا مهمة أمامها سوى الترويج لمناخات القلق والتخويف، ولما يطلبه منها النظام السوري، وهي نأت بنفسها عن كل شيء إلا عن الارتباط به وتنفيذ رغباته ومشيئته. حين يعتبر بعض من في الحكومة "أن تدفق النازحين السوريين والفلسطينيين من سوريا الى لبنان يجب أن لا يستهان به أمنياً، نتيجة خطورة ما قد ينتجه هذا الواقع المستجد، وحذر من أن يشرع هذا الامر نوافذ أمنية يتسلل منها بعض المسلحين أو الارهابيين بين النازحين الى لبنان للقيام بمحاولات العبث بأمنه واستقراره"!. يبرز السؤال الذي يطرح نفسه "هل اكتشفت الحكومة متأخرة وجود تدفق للنازحين حتى تسلط الضوء عليه من الناحية الامنية، بعد أن غفلت عنهم من الناحية الانسانية طوال عشرين شهرا وتركتهم عرضة للاعتداء والتشرد والضياع، فمن يتحمل مسؤولية عدم ايوائهم واغاثتهم ؟ علماً ان كل المعاهدات والمواثيق والشرائع الانسانية تدعو الى نصرة المظلومين ومساعدة المكلوم، واغاثة الملهوف، فبأي شرع وقانون ودستور تحكم بعد أن اتخذت النأي بالنفس وسيلتها الوحيدة للهروب من مواجهة الواقع المستجد والمفروض قسراً؟!

ولان "ملحق" ما يسمى الفكر التكفيري، أراد البعض هذه الايام الترويج له أيضاً، والتركيز عليه، وضمه الى عناصر "القاعدة" وكل أخواتها من نصب وجر وفبركة، ربما يكون عوناً لهم على تحقيق ما يخططون له، وما يضمرونه. هذا الفكر موجود منذ صلب التاريخ وليس بجديد، ولكن الجديد في اثارته من أجل ضمه الى كل ما من شأنه أن يكون مرعباً ومخيفاً وقاهراً. على أن هذا الفكر بطبيعة الحال هو من نتاج "النظام المجرم"، والعجب كل العجب أن يشعر هؤلاء بوجود هذا الفكر، ولا يشعرون ولا يرون المجازر اليومية التي ترتكب بحق الابرياء الذين فاقت اعداد الضحايا الستين ألف نسمة على مدى الاشهر الماضية وفقا للاحصاءات الرسمية الاخيرة.

على أنه رغم كل ما جرى ويجري سواء في الداخل أو في الخارج لم يرف جفن لرئيس الحكومة الذي ما زال ينأى بنفسه عن كل التداعيات حتى كادت أزمة النازحين السوريين وحدها والذين بلغوا أكثر من ربع مليون نازح، تفجر الحكومة من الداخل على خلفية كيفية التعاطي مع هذا الملف الشائك، والمتوقع أن يكون أشد ضراوة في الاسابيع القادمة. بائع الثلج ما زال يراهن على لعبة تمرير الوقت مهما كانت الاثمان، ومهما تدهور حال البلاد، حتى ولو ضرب الافلاس كل المؤسسات الاقتصادية، وهو يحتفل بعد أيام بمرور عامين على "انقلابه" وتسميته على رأس حكومة "حزب الله"، ما زال يميزه الغياب المطلق عن مدينته طرابلس كما انه لا يملك حلاً، ولا قوة لانقاذها من الوضع البائس الذي ترزح تحته منذ عامين، حتى أضحى أهل المدينة في واد وهو في واد آخر، لم يوفر أي موقع أو مصلحة لها. وبانتظار حلول فصل الربيع "ربيع المدينة" سيذوب الثلج ويظهر المرج.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل