أواسط السبعينات أصرَّ طفل عملاق يدعى صليبا الدويهي على ان الحياة لا تكتمل، بل لا تبدأ، الا بمشاهدة الزجاجيات التي رسمها لكنيسة الجالية في يانغستاون، اوهايو. لم يعترف أحدنا للآخر بأنه بالكاد يملك اجرة الباص من نيويورك، الى الغرب الاوسط الاميركي. لكن صليبا كانت له قدرة طفولية على اقناعك بركوب الباص الى هونولولو. لم أقم في يانغستاون، بلدة الدواليب والمطاط، بل في كولومبوس، اوهايو. سألت ما هو اهم ما في هذه المدينة الداكنة، المجردة من المعالم، المكتظة بدجاج كنتاكي ومرابط الماكدونالد؟ فكَّر الذي أسأله طويلا، ثم قال: هذه مدينة وليم ايرلاند. ولما رأى تبلد الرد، أوضح ان وليم ايرلاند هو رسام الكاريكاتور الذي تناقلته صحف اميركا بسبب رسم واحد. كان الرسم يمثل قيصر المانيا عام 1917 جالسا امام جثة بقرة، يقول متكابراً ومتأففاً: "قتلت بلجيكا، أجل، لأنه كان علي ان اقتلها". وعلى طريقة الرسوم في تلك الايام، كان في الصورة نسوة يمثلن الفضيلة والعطف والانصاف، يولولن او يتحاشين النظر الى القيصر، والذبيحة، والزريبة.
منذ ذلك الوقت، يطغى على فكري رسم وليم ايرلاند، كلما رأيت وطنا يقتل. او مدينة تدك. او حلماً قومياً يذرّ الى الجمر والرماد. وكان ذلك اواسط السبعينات بعد، قبل ان يتدافع القاتلون على معاني لبنان، وقبل ان يعلن القيصر دوافع القرار بالقتل، وقبل ان نبلَّغ ان بيروت ليست سوى عقار خارب! دُمِّرت سبع مرات، فلتكن ثماني. وهذا ما حدث. لكن بيروت موصوفة بعادة سيئة: القيام الدائم من الرماد. لا. ليست اسطورة سيزيف المكررة. وإنما اسطورة بيروت. هذه المدينة الوطن. هذه الضحية الاقوى ابداً من تناوب القياصرة.
ارسل هتلر الى باريس المحتلة جنرالا من الرايش الثالث يدعى ديتريتش فون شوليتز. حسب الفوهرر جميع الحسابات، الا واحداً: سوف يهيم فون شوليتز بجمال باريس وحجارتها وعطر آدابها. فلما أمره باحراق مدينة الاضواء، تمنع فون شوليتز. فعاد الفوهرر يسأل رئيس اركانه: هل باريس تحترق؟ تلك الجملة اصبحت عنوان كتاب، وفيلماً هائل الانتاج. الجمال يهزم قباحة الدمار، وجنون الخراب وشبق الحرائق.
في 27 نيسان 1969 صدرت نتائج الاستفتاء على مجموعة اصلاحات طرحها شارل ديغول: 65% يؤيدون. اعتبر ديغول تلك النسبة اهانة له وخطأ في حق فرنسا. صباح 28 نيسان اصدر بيانا من سطرين: "قررت التوقف عن ممارسة مسؤولياتي. يعتبر هذا الأمر نافذا منذ ظهر اليوم". اعطى نفسه من الوقت نصف نهار ومضى الى كولومبي وبقي هناك. لم يدمر فرنسا التي صنع مجدها الحديث. لم يدك باريس بالميراج. لم يشرد الفرنسيين كما شردهم من قبل فيليب بيتان، الماريشال الذي لم تغفر له فرنسا كونه نسي انه فرنسي. عار فرنسا.
كانت حسابات ديغول بسيطة: إذا كان 35% من الفرنسيين لا يريدونه، فما معنى الاكثرية؟ لا رئاسة بالاكراه. ولا دماء. ولا دمار. من يحب بلده يحميه. ومن يحب شعبه، لا يؤله نفسه. الشعب ينتخب، والشعب يعيد النظر. والشعب ليس عدوا ولا محتلا ولا مغتصبا، فلماذا الطائرات والدبابات والمدافع والبلطجية والشبيحة؟ لماذا هذه البوابة الى التاريخ. او الى الجحيم؟
سقطت روسيا الامبراطورية لأن القيصر عامل البشر كأتباع. وسقطت روسيا السوفياتية لأن سعادة الأمين العام عامل الروس كمجموعة أقفال، وبنى كل حاكم عربي الدولة على مقاسه وهواه. ولم يرَ في شعبه اكثر من فرقة هتافين تتحرك باشارة من سلاح المخابرات، السلاح الاهم.
ليس مهما كيف تبدو العواصم والأمم خلال حمأة الحروب، المهم كيف تبدو بعد نهايتها. قيل في فرصوفيا بعد 1944 انها اضخم رماد متعمد في اوروبا. فُجِّرت المدينة صيف وخريف ذلك العام، حارة بعد حارة، لأنها تجرأت على طلب الحرية من الالمان. عندما انتهت الحرب كانت روائح الجثث لا تزال تتصاعد من بيوت الجيران الذين دفنوا على عجل، وكان من يجول في عاصمة بولونيا كأنه يتمشى بين مدافن مرَّ بها دراكولا الليلة السابقة.
قامت حركات السلام في اوروبا والاتحاد السوفياتي، لأن الشعوب رأت ما فعلته الحرب. الالماني غونتر غراس (نوبل) يكتب الشعر ضد الاحتلال الاسرائيلي لأنه شهد ما فعله الاحتلال الالماني ثم السوفياتي في مدينته، دانتزيغ. في مذكراته "تقشير البصل" يروي كيف كانت امه تسلم نفسها الى الجنود السوفيات من اجل ان تردهم عن ابنتها. "الفتاوى" التي تكثر هذه الايام حول ضرورة الزواج من القاصرات السوريات النازحات في ديار الهوان، ليست اقل قسوة من حروب اوروبا. في كل حرب هيروشيما، ولا ضرورة لأن يجرب هاري ترومان قنبلته الذرية وكيف تحوِّل البشر الى هوام. كم كان عدد القتلى في هيروشيما؟ 66 ألفا. صارو 60 ألفا في سوريا. 150 ألفا كان الرقم الأكثر تحفظاً في حرب لبنان. 250 الفاً هو رقم الجزائر في التسعينات. مليون عراقي في الحرب مع ايران. ماذا تعني ارقام الموت والتشوه والبؤس والفقر والتشرد والخيام في هذا العالم العربي؟ ترقبوا الآن انبعاث الجحيم مرة اخرى في العراق. لا مكان للاحتضان والتسويات والتوافق في هذه الارض. لا مكان للآخر. هتلر كان يقول انك لا تعلن عن الصابون بالقول ان لدى غيرك صابونا جيدا ايضاً. انت ولا احد سواك. انت هو الحقيقة الوحيدة، حامل مفاتيح الارض والسماء، وكيل الرحمن وكفيل عباده.
من الحزب الواحد الى الحزب الاعلى. من الافغاني ومحمد عبده الى حافظ ابو اسماعيل. بعد الف عام من انوار الازهر وعلومه صارت الفتاوى تطلع من الشوارع: جولوا على المخيمات واحموا اعراض القاصرات الحسناوات. لا تلتفتوا الى حاجات الارامل والاولاد والمرضى والجائعين والبائسين.
من اوصلنا الى هنا؟ النظام العربي اوصلنا الى هنا. حكم الملازمين الذين خرجوا من المدرسة الحربية دون المرور بمدرسة ادارية. البدوي الذي اصبح "رسول الصحراء" بأجرة كتاب بالفرنسية، الانظمة التي لم تنجز سوى السجون. وسَّع صدام حسين السجن لرفاقه وكبار حزبييه، وعندما سقط اطلق جميع المحكومين في قضايا اجرامية نكاية بأهل العراق. تنهار هذه الأمة امام اعيننا كما انهارت اليونان في الصراع بين الآلهة.
اراد كل إله ان تكون فينوس له وحده. فلما تمنعت شكوها الى ربهم زوس، الذي قرر لارضائهم ان يزوجها من الحداد الذي يصنع لجم خيولهم. انهم يسلمون الاوطان الى الحدادين. لا خيار آخر للشعب العربي: اما المطرقة واما السندان.
يخرج الرئيس الاميركي من البيت الابيض كي يكرس وقته لجمع المال لاقامة مكتبة تحمل اسمه. يجوب العالم والولايات محاضراً مناشداً التبرعات. اين هو جورج بوش الأبن منذ اربع سنوات؟ انه في الخجل، لا يقوى على الظهور بعد كل ما تسبب به للعالم من بؤس وخراب. ما من احد يريد ان يتذكر حكام البلاء وعبث الألم الفظيع.
في المقابل تقف اميركا في الطوابير لحضور "لنكولن"، حكاية الرجل الذي قتل من اجل حرية العبيد. ثمة رجال يفضلون الهزيمة على الفوز المريع. فؤاد شهاب كان اقوى رجل في لبنان لكنه ترك الرئاسة الى صومعته. تركها مرتين ومضى الى عزلته بعيدا من السياسيين ينهشون الدولة ويقتلون الوطن.
افظع عملية جهل متبادل في القرن العشرين، كانت لجوء السوفيات والاميركيين الى الحل العسكري في افغانستان. كلا الفريقين اعتقد بجدوى الحل الفوقي، السوخوي، او الفانتوم. ماذا لو انهما تأملا قليلا في تاريخ الافغان وطبائعهم. الحلول الجوية لم تعد تنفع. كل غارة جديدة تحفر عمقا جديدا في قلوب السوريين. تصاعدت الانتفاضة الاولى على الاحتلال الاسرائيلي بسبب مشاهد الجنازات اليومية. كلما رأى الشبان جنازة رفاقهم قرروا الانضمام الى الشهداء.
تدعم قوى كثيرة المقاتلين في سوريا، لكن الدعم الأكبر جاء من مشاهد الظلم. كان احرى بالنظام ان يسمع الصرخة العفوية الأولى في ساحة المرجة: "الشعب السوري ما بينذل". التاريخ ان تحبك الناس. ان تنضوي فيك. ان تتبع صاريتك لا رايتك. ان تبحر بها الى السكينة.
التقيت صليبا الدويهي في جميع مغارب الارض، من دون مواعيد، كما يحدث في عالم التائهين. في نيويورك. في لندن. في مونريال. في باريس. وفي كل مكان كنت اسأله، أيها اجمل الامكنة؟ "زوغرته"، كان يجيب. وثانيها "اهدن"، كان يجيب وثالثا؟ "بس، خلوص، ما بيكفي". لم يعرف لبنان كيف يكون مدينا لصليبا الدويهي، صاحب الجنّات المرسومة. وانا مدين له بالرحلة الى كولومبوس، اوهايو، وكاريكاتور وليم ايرلاند عن القيصر. وسوف تذكر مرحلة طويلة من لبنان برسوم بيار صادق، الذي كرَّمه الرئيس ميشال سليمان. لقد شارك صاحب هذه الريشة الخلاقة في مسيرة الصحافة والحرية. وما زلنا لم نحزر حتى الآن، ان كان يضحكنا من السياسيين ام يبكينا على انفسنا.