#dfp #adsense

عندما يشتكي حليف “عرّاب” النازحين!

حجم الخط

كتب يوسف دياب في صحيفة "المستقبل":

تحتاج مقاربة الجنرال ميشال عون لملف النازحين السوريين الى لبنان، الى قراءة وبحث معمّقين، وهي تصلح لتكون مادة أساسية تعطى في المدارس والمعاهد لسنوات إن لم يكن لعقود وأجيال، لأن هذه المقاربة الفريدة من نوعها تعدّ ظاهرة جديدة في علم الحروب وتداعياتها وآثارها، باعتبار أن آراء المحللين والخبراء الإستراتيجيين بشأنها، مهما كانت شاملة، تبقى قاصرة عن إدراك معاني ومفاهيم الفكر العوني، بأبعاده التي تمتد الى ما بعد عمر الأزمة السورية بسنوات، وهي لن تتوقف مع أزوف ساعة رحيل طاغية هذا العصر، بغض النظر عن كيفية الرحيل وتبعاته.

من المؤكد أن المقاربة العونية لا تنطلق من الأزمة السورية وخلفياتها، إنها قراءة إستراتيجية من صلب أدبيات رجل هو من طينة الديكتاتوريات العريقة وسلالتها، أو بالأحرى ممن يحملون إرثها، فلا يستطيع عاقل أن يفهم الخلفية التي إنطلق منها عون ليشنّ "حرب إلغاء" جديدة على نازحين بؤساء، لا ذنب لهم فيما هم فيه سوى أنهم فرّوا بأجسادهم شبه العارية من سياسة القتل والإبادة التي ينتهجها حليفه في سوريا، ليناموا في عراء لبنان مفترشين الأرض وملتحفين السماء، الا رغبة من الجنرال وأقرانه في "المدرسة النازية الجديدة" بأن يعود هؤلاء الى سوريا ليكونوا وقوداً للنار التي أشعلها بشار الأسد وطغمته الحاكمة منذ ما يقارب السنتين، لغاية في نفسه ربما يكون أحد مراميها أن لا يبقى في سوريا طفل أو شاب يحلم ببناء دولة فيها الحدّ الأدنى من الحرية والكرامة والديمقراطية، التي هي نقيض دولة البعث التدميرية التي ينتمي اليها الجنرال وأقرانه.

من عايش التاريخ العوني الذي تظهّر الى العلن مع تسلّمه الحكومة العسكرية الإنتقالية في أواخر العام 1988، يفهم جلياً معاني مواقف الجنرال، ويتيقّن أنه من الطينة نفسها التي عجن منها بشار الأسد وفريقه القائم على حكم سوريا منذ أربعة عقود بالحديد والنار، لا بل هم أصحاب تاريخ مشترك ومفاهيم واحدة، ليس صعباً على من عاش يوميات الحقبة العونية أن يدرك سريعاً، ان هذا الرجل ليس سوى صورة طبق الأصل عن نظام دمشق القمعي، وما يفعله بشار اليوم بشعبه، سبق للجنرال أن فعله باللبنانيين في حربَي التحرير والإلغاء العبثيتين والمدمرتين للبلد بشراً وحجراً، وهذا ما سبق وأقرّ به حلفاء الجنرال الذين ينام اليوم على زندهم، ولا يزال اللبنانيون يعانون تبعاتهما ويسددون أثمانها حتى الآن، فقط من أجل الكرسي والتربع على عرش السلطة، تماماً كما هو دأب الأسد ونظامه المجرم في سوريا اليوم، ولا مجال هنا للزعم بأن هذا الكلام هو من باب الردّ على خصم سياسي أو فريق يقف على ضفة نقيض، وهنا يكفي التذكير ببعض مآثر عون التدميرية التي إرتكبها من أجل السلطة.

إذا كان الجنرال وفريقه وحتى حلفاؤه الذين نسوا كل حروب الماضي القريب معه من أجل مصالحهم المتقاطعة الآن، ويتنكرون لهذه المرحلة المظلمة وما خلّفته من آلام ومآسٍ، فلا بد من سؤالهم: أليس الجنرال عون هو من خاض حرب التحرير المزعومة ضدّ الوجود السوري، فقط لأن الرئيس الراحل حافظ الأسد رفض أن يكون عون رئيساً للجمهورية، رغم أنه تدنّى الى مرتبة جندي في جيش الأسد؟، أليس هو من خاض حرب الإلغاء ضدّ "القوات اللبنانية" تحت شعار توحيد البندقية تحت لواء الشرعية في المنطقة الشرقية، رغم أن القوات كانت تشاطره الرأي السياسي بما خصّ الإحتلال السوري؟، أليس الجنرال نفسه هو من ساهم بحروبه العبثية في تهجير عشرات ومئات آلاف اللبنانيين وخصوصاً المسيحيين من بيوتهم ومناطقهم في الداخل والى بلدان العالم، فقط من أجل شهوة السلطة؟، أليس هو من تسبب وشارك بقتل الآلاف منهم قبل أن يدعي أن ليس على كفّه نقطة دم؟، أليس هو من يتّم الأطفال ورمّل النساء وقصف وروّع الآمنين في المنطقة التي كان يزعم حمايتها تحت شعار تحريرهم من الإحتلال السوري، وعند أول قذيفة سقطت في القصر الجمهوري الذي كان يحتله تركهم لقدرهم وفرّ هارباً الى السفارة الفرنسية طالباً اللجوء والحماية؟، ألم تكن مزاعمه الموهومة هي نفسها مزاعم حليفه ومثله الأعلى بشار الأسد، الذي يبرر الآن عمليات القتل والتدمير والمجازر بـ"محاربة الإرهاب والتطرف"؟، أليس هو من كان السبب في قتل عشرات لا بل مئات جنود وضباط الجيش اللبناني الذين أبادهم جيش سيده ومرجعيته والناطق باسمه، يوم كانوا يدافعون عن سيادة وحرية واهية كان يدعيها الجنرال، ودفنهم في مقابر جماعية بعلمه ومعرفته، ومنها في باحة وزارة الدفاع التي كانت مركز قيادته؟. هذه المقاربة ليست من باب الإتهام، فالتاريخ هو عبارة عن وقائع وحقائق مدونة يستحيل تزويرها، لا بل هو ملك الشعوب لا سيما الضحايا الأحياء، إنما هي من نافل التذكير بأوجه الشبه المتقاربة لا بل المتطابقة بين الفكر الأسدي والفكر العوني، وهذا ما يفهم من ابعاد الحرب العونية على النازحين السوريين الى لبنان.

هذا في البعد التشبيهي لمسار الأمور، أما في البعد السياسي لحرب الجنرال الجديدة على آلاف المشردين قسراً، فثمة جملة من الأسئلة التي تطرح، وتبقى الإجابة عنها ملك الجنرال نفسه وحليفه "حزب الله"، وهي: هل إن هؤلاء النازحين الذين هجروا بيوتهم وأرزاقهم، فرّوا الى لبنان للنوم في العراء رغبة في السياحة وإحتلال البلد، أم هرباً من بطش طاغية دمشق ونظام الممانعة واسلحته الفتاكة؟. أليست الحكومة الحالية هي حكومة الجنرال التي له ثلث أعضائها، هي المخولة معالجة وضع النازحين، بدل أن يحوّل قضيتهم الإنسانية الى ملف سياسي يستعمله للتعويم الشعبي على أبواب الإنتخابات النيابية بأسلوب عنصري بغيض؟، هل نسي أن حليفه "حزب الله" هو من يملك القرار السياسي للحكومة وبالتالي عليه أن يبحث معه عن أطر المعالجات، لا أن يلوم الفريق السياسي الخصم الذي يتعاطف مع هؤلاء إنسانياً وإغاثياً؟، ألم يكن عون وكل فريق بشار الأسد في لبنان معترضاً على إقامة مخيمات للاجئين في المناطق الحدودية على نفقة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المانحة، وتكون هذه المخيمات تحت سيطرة الجيش اللبناني الأمنية، بينما بدأوا الآن صراخ الإستغاثة ومناشدة الهيئات الدولية لمساعدة الحكومة بعد أن إنفلش النازحون في طول البلاد وعرضها بهذا الشكل؟، هل يدرك الجنرال و"صهر العتمة" الذي سجّل أرقاماً غير مسبوقة في الحقد والعنصرية وكل أعداء هذه الحالة الإنسانية، أن تركيا والأردن لم يقفلا حدودهما أمام النازحين الهاربين من الجحيم الحليف كما يدعون، إنما نظّما وجودهما في مخيمات مضبوطة ومراقبة؟، والسبب في ذلك بسيط وهو أن تركيا والأردن تحكمهما دولة وأنظمة، بينما يحكم لبنان اليوم حكومة تضم مجموعات منعدمة الرؤية، لأنها ما زالت تحكم بالعقلية البعثية التي هي نقيض الإنسانية، وصاحبة عشق السلطة، وإن على دماء الأبرياء وعلى أطلال دولة.

أمام هذه المجموعة من الحقائق، لم يعد ثمة مجال لمناقشة فريق في طروحاته وخياراته ونظرته الى الآلاف من المشردين، الذين زادت قساوة الطبيعة على مآسيهم، فالأمور باتت جلية، إنها حرب مكمّلة لما بدأه الأسد وأسلحته الفتاكة في سوريا، إنها إستراتيجية تدمير الحجر والبشر التي لا يجد جزار سوريا عوناً له أفضل من الجنرال عون وملحقاته في لبنان لنجاحها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل