#adsense

انشودة الفساد… عاصفة (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

الأكيد انها ليست عاصفة ابنة الطبيعة وحسب، هي عاصفة أعوام متراكمة من الاهمال والفساد، والبنى التحتية المهترئة اداريا اخلاقيا وانسانيا. هذا في اختصار.

لم تفضح العاصفة تاريخ فساد الادارات العامة كافة، ابتداء من البلديات وصولا الى الوزارات وحسب، انما فضحت أيضا المواطن نفسه، عدم التزامه بالقوانين، تعدياته على الاملاك العامة وعلى الطبيعة والبيئة والشاطئ واليابسة… عاصفة، أبعد من جمال ثلوجها وخير أمطارها، أظهرت التواطؤ الكامل بين المسؤول والمواطن. هذا في اختصار أيضا.

هي ليست عاصفة غريبة أو مختلفة أو نادرة الحصول. هذا هو كانون، فحل الشتاء، العواصف عنوانه والثلوج تاجه والموسم موسمه، فأين الجديد؟! هي ليست أول عاصفة تجتاح لبنان وشهر كانون ليس في آب، فلماذا هذا التفاجؤ الرسمي العنيف؟!

لم تبق كارثة لم تقع في خلال ثلاثة أيام، فيضانات من جراء انسداد المجاري، كافة، مجاري الانهر والبيوت والسواقي والصرف الصحي. لم يتبق نفايات لم تطفو على سطح كل ما هو عائم في البلاد، لم يتبق منزل قريب او على مشارف نهر أو ساقية أو كل ما له علاقة بالانابيب، الا وغرق بالمياه واجتاحته أمواج الوحول المصحوبة بكميات هائلة من النفايات، بيروت صارت مستنقع، انهيارات بالجملة والمفرّق في البلدات القريبة والبعيدة، هل حصل زلزال ونحن لا ندري؟!!

وزير الاشغال يعترف بأن ضيق الإمكانات وتراكم التقصير، أدّى الى ما أدى إليه على الطرق وفي المدن والقرى، ودعا الى استنفار كل الطاقات والوزارات "لكن كان يمكن القيام بعمل أكبر واقول ذلك بكل وضوح"!! عظيم، هذا اعتراف مسؤول من مسؤول، لكن وبعد؟؟ من يعوّض على الناس كل تلك الاضرار؟

أبعد من ذلك، وقبل الوصول الى حقوق الناس يجب التوقف عند واجباتهم، اذ ان غالبية الاضرار نتجت عن الاهمال المتبادل، مواطن لا مسؤول أدمن المخالفات ولا من يحاسب، ومسؤول لا مسؤول أدمن الفساد والسرقة ولا من يحاسب، مَن قَبْل مَن الدجاجة أم البيضة؟!!
ربما الآن ليس وقت المحاسبة انما المعالجة. الترقيع. هذه فضيلة ادارات الدولة على مرّ السنين والعصور. معالجات موقتة، ونعرف ان كل ما هو موقّت يصبح قاعدة في لبنان. قاعدة نشاز. اذن هل ستعوّض الحكومة على الناس بعضا من أضرارهم الجسيمة؟ أشك في ذلك، وان حصل فبالكاد من الجَمل اذنه، هذا بناء على تجارب مريرة مماثلة، سابقة ولاحقة بالتأكيد.

جاءت العاصفة، جيّشت كل أشجاننا، ذهبنا معها في الحلم الابيض، في الضيعة الغارقة بأزقة الطفولة والصبا، بدفء الصوبيا وحرارة النبيذ والاصحاب وسهرات السمر، وغرقنا معها أيضا في غير حلم، في كابوس الوحول في شوارع بيروت، ووقعنا في الحفر والانهيارات، عاصفة وان رحلت فهي لن ترحل، أثارها باقية بوضوح، وعلاماتها دامغة عند من لُدغ من أضرارها، في حين انها اضرار ما كان يجب أن تحصل أساسا، لان تبيّن انها ليست من غضب الطبيعة، انما من غدر الانسان بما يُسمى "الضمير" وهو ضمير غائب في لبنان…

غدا وعندما تشرق الشمس من جديد، ويعود كل شيء الى مكانه الطبيعي، وعندما يحين وقت الحساب الفعلي في صناديق الاقتراع، أو في الانصياع الاعمى لكل من يحمل صفة "زعيم" أو "مسؤول"، نتناسى كل العواصف والاضرار، ونعود ونصطف في الصف اياه، صف الاغنام، ونذهب صاغرين الى بيت الطاعة لاننا نعرف مسبقا اننا اذا اخترنا غير هؤلاء، سنحاسب نحن قبلهم، وسنخضع لكل القوانين ونعاقب عند المخالفة ولاننا سنحمل فعلا لقب "مواطن مسؤول" ونحن حتى الان لا نقبل الا بتلك المقولة، " كما تكونون يولّى عليكم"…عبث فهي منظومة الفساد المتبادل!!
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل