كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
"أقعدت" العاصفة الطبيعية رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، فأطلّ بعد اجتماع التكتل الأسبوعي من الرابيه متهجما ومهاجما "عَ القاعد" أي جلوسا هذه المرة بخلاف كل مرة. الشكل الخارجي تبدّل إلا أن الجنرال حافظ على مضمون كلامه ولغته وحديثه.
وبصرف النظر عن الهدايا التي يعدّ لها الجنرال ولغة التهديد التي يستخدمها وكان آخرها "تفحّم" اللواء الشهيد وسام الحسن، فقد قطع شوطا كبيرا في "التشاوف" وتعدّى الحق الطبيعي لكل حزب أو تكتل في المطالبة بحقوقه السياسية ليحسم لنفسه نصف المجلس النيابي أي 64 نائبا. يعتقد عون، بهذا الكلام، بأنه يمثل كل المسيحيين ويختصر الشارع المسيحي بشخصه، على الرغم من تراجع شعبيته.. فربما احتسب الجنرال أعداد اللبنانيين الذين يعلّقون على ما يتفوّه به أو الذين يتابعونه بهدف انتقاد طريقة كلامه الهازئة والساخرة.
الجنرال لا يشعر بوجود من ينتقده بحسب ما قال "الذي يريد أن ينتقدني "يشقّ حالو" فأنا لا أشعر به حتى". فعلا فقد صدق في هذه العبارة، لأن اللبنانيين ما عادوا يحتملون تعاليه في الكلام كل ثلاثاء. والواضح في هذا الأمر أنه لا يشعر بمعاناة الشعب اللبناني الذي "قرف" الردود السياسية بشتائم وانتقادات شوارعية. وإن كانت الإنتقادات بنظر الجنرال، خصوصا ضد "قانون الفرزلي"، هي شتيمة، فكيف يصف إذا العبارات التي ينطق بها خلال إطلالاته الثلاثائية "يروحو يلعبو بهونيك شغلة"، "ما بيوصل لتحت زناري"، "بيقبلوا ولا عمرن ما يقبلو"، "روحة بلا رجعة".. وكان آخرها "يغلي ويشرب زومو"..
وإن كان الجنرال يعتبر أنه "على سقف لا يطاله أحد"، إلا أن الشعب اللبناني يرى ويسمع أن كل تصريحات عون يمكن اختصارها بشتائم و"شوفة حال" وتعالي وإفراط بالتحدث عن الذات. وإن كانت مسيرته السياسية مثقلة بهذه الصفات التي يعلنها ليعبّر عن مواقف شخصية من معارضيه، فإن علم النفس يقدّم فيها توضيحات وتفسيرات تكاد تقترب الى "مسألة نفسية" منها الى موقف سياسي.
فالإفراط في التحدث عن الذات، بحسب عالم النفس الألماني فريديريك نيتشيه هو "وسيلة للاختباء أو لإخفاء شيء ما". ويعتبر علماء آخرون أن "الثقة المفرطة بالذات تأتي كتعويض عن شعور داخلي بقلة الثقة بالذات". تتعدّد التحليلات النفسية في هذا الإطار، فماذا يقول الطبيب النفسي الدكتور شوقي عازوري الذي يعاصر جنرال الرابيه ويقرأ مواقفه ويحللها مستخدما علم النفس؟
بداية يرفض عازوري القول انه يحلل نفسيا سلوك عون، مشددا على "أنه لا يحق له أن يحلل نفسية شخص خارج مكتبه، إنما هو يحلل كقارئ سياسي مستخدما علم النفس".
ويقول "عموما ومن خلال علم النفس، يمكن القول ان لانفجار شيء ما عند الإنسان، أي إنسان، تجتمع عوامل عديدة منها شخصيته والوضع الذي يعايشه وتظهر التصرفات الى العلن.. كما عند الجنرال". ويتابع "برأيي، ما يظهر اليوم هو ثمرة الماضي حين تسلّم عون في العام 1988 رئاسة الوزراء من الرئيس أمين الجميل.. وهذا لم يساعد الجنرال أبدا ليس على الصعيد الوطني فقط إنما على الصعيد الشخصي أيضا".
ويشرح عازوري بأن "عون قَبِل بأن يكون رئيسا للحكومة والمعروف أن هذا المنصب هو للطائفة السنية"، معلّقا "تصوّروا، أن جنرالا في الجيش وُضع في مركز سياسي لا يحقّ له بأن يتولاه". ويوضح "في العام 1988 لم يكن متاحا لأحد أن يصل الى ما وصل إليه الجنرال، أما اليوم فهو يضع نفسه "على سقف" تحدث عنه الثلاثاء الماضي وهذا يعني في علم النفس megalomanie او ميغالوماني أي مَن يشعر بأنه أقوى من الجميع، والدليل على ذلك أنه عندما سُميّ رئيسا للحكومة كانت تصرفاته وأحاديثه في أكثر من مناسبة تشير الى أن هناك تبدّلا غير طبيعي".
وفي هذا الإطار، يذكر عازوري شخصيا "حين أرسل رئيس جمهورية فرنسا حينذاك فرنسوا ميتران سفنه الخاصة الى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الشاطئ اللبناني، فقد استتبع عون ذلك بتصريح قال فيه "فرنسوا ميتران وضع سفنه تحت أمري". ويضيف عازوري "بعدما احتل منصبا ليس له "كبرت الخسة براسو" لدرجة بدا فيها وكأنه صديق ميتران وبينهما "أخذ وعطا"." ورأى أن "العامل الخارجي لعب دوره في ذلك لأن شخصية عون أساسا تكوّنت بهذه الطريقة ليصل الى وقت ينفجر فيه".
ولفت عازوري الى أنه "ممكن أن "تكبر الخسة برأس أحد" من دون أن يصل الى ما وصل إليه الجنرال، خصوصا أنه في نهاية طريقه السياسي وليس في بدايتها، حيث كانت البداية في العام 1988 وهذه نقطة مهمة": "خلص شو بدو يعمل بعد اليوم".
وأسف عازوري لكون "الأمور لم تصطلح مع مرور الوقت، أي أنه لم يطلّ مرة إلا و"بهدل" الصحافيين والسياسيين"، متسائلا "من تكون تجاه نفسك وتجاه الناس إن كانوا معك أم ضدّك سياسيا.. من تكون "لتفشّخ" على كل السياسيين الموجودين وإن كنت لا توافقهم الرأي؟" وتابع "هذا فضلا عن تحالفه الأخير مع بشار الأسد وكل ذلك".
فهل نهاية الطريق السياسي تنذر بأكثر من ذلك؟ يرد عازوري "أنا متأكد من ذلك كمحلل نفسي يقرأ الأحداث سياسيا ولا أقدّم نظريات فلسفية كمحلل نفسي فقط". ويشدد "أحلل ذلك من منطلق أنني قارئ سياسي أستعمل معرفتي في التحليل النفسي لإبداء رأيي في الأحداث التي تحصل".
وختم عازوري "نهاية الطريق ستكون عاطلة" بالنسبة إليه وليس بالنسبة الى الشعب اللبناني، تبعا لمواقفه السياسية التي لم يبررها يوما مثل تحالفه مع بشار الأسد بحيث يُسكت الجميع بقوله "أنا حرّ"، فإن كان حرا كما يقول فليعمل في مجال غير السياسة لأن الناس تستحق التبرير، حتى في البلد "التعبان" لا يحق لأي رجل سياسي أن يتّخذ موقفا من دون أن يبرر للشعب الذي انتخبه أسباب تحالفاته ومواقفه، لكن بالنسبة الى الجنرال فـ "مش فرقانة معه كل الشعب".