ويُنقل عن جنبلاط أنه لا ينفك يشيد بـ "أبو مصطفى" في مجالسه الخاصة، ويعتبره صمّام أمان وحاجة، ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن جنبلاط لعب دوراً أساسياً في إقناع الرئيس سعد الحريري وقوى 14 آذار، باستثناء "القوات اللبنانية" في إعادة انتخاب بري لولاية رئاسية جديدة، وعندما قيل له إن البعض لن ينتخب بري أجابهم: "إنهم مجانين لا يدركون أهمية أبو مصطفى وخصوصيته على المستوى الشيعي والوطني وكرئيسٍ فريدٍ للمجلس النيابي"، وبالتالي فإن بري مرّر لجنبلاط كثيراً من خلال قوانين مشيخة العقل، وكان إلى جانبه دوماً، وعليه فإن الطرفين يفهمان بعضهما "على الطاير"، وعند الحاجة تتوالى الرسائل عبر موفدين قريبين منهما، في حين عندما يقرأ بري أو يسمع موقفاً لجنبلاط على المستوى الوطني والحواري يقول: "هذا وليد الذي أعرفه، وهو لا يضيّع البوصلة".
اليوم، ومع مناقشة قانون الإنتخاب، عُلم أن جنبلاط أرسل عشية انعقاد اللجنة النيابية الفرعية الوزير وائل أبو فاعور إلى بري حيث أطلعه على الأجواء الجنبلاطية، وبعد لقاء قيادات 8 آذار ودعمها لعون في تبني مشروع اللقاء الأرثوذكسي وميل الأحزاب المسيحية في قوى 14 آذار إلى دعم هذا القانون، زار جنبلاط عين التينة سريعاً، وهو القاطن في كليمنصو هذه الأيام نظراً لدقة المرحلة السياسية والتي تفرض عليه إجراء بعض اللقاءات ولكي لا يكلف البعض منهم مشقّة التوجّه إلى المختارة في ظل العاصفة الطبيعية ومنهم السفيرة الأميركية مورا كونيلي، لذا جاءت زيارته إلى بري، إذ تشير الأجواء إلى أن زعيم الإشتراكي عرض مع رئيس المجلس للمواقف الأخيرة من المشروع الأرثوذكسي، وهنا يقال وفق معلومات بالغة الدقة، أنّ حركة "أمل" لم تسارع إلى تبنّي هذا المشروع، ومسايرة رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون على غرار "حزب الله"، بل تمهّل الوزير علي حسن خليل الى أن يكون هنالك توافق حوله، وبالتالي انتظار انتهاء عمل اللجنة النيابية الفرعية وما ستتوصل إليه، وعندها يكون لكلّ حادث حديث.
من هذا المنطلق، يدرك بري الخصوصية الجنبلاطية ويفهم هواجسه غيباً، ولهذه الغاية فإن ما قيل عن دعم حلفاء عون، أي "حزب الله" وحركة "أمل" إلى جانب "المردة" للقانون الأرثوذكسي ليس بالأمر المحسوم والنهائي، بل هو مناورة سياسية وانتخابية واستدراج عروض. لذا فإن لقاء جنبلاط بعد اجتماع رباعي الثامن من آذار مع رئيس المجلس النيابي، إنما يذكّر بكل المحطات الحسّاسة التي كانا يلتقيان فيها لمناقشة مشاريع قوانين وتعيينات إدارية، وبالتالي فإن جنبلاط يراهن على دعم بري في اعتماد قانون ألـ60 بعد إدخال تعديلات عليه، في حين أن اللقاء الثلاثي في قصر بعبدا، والذي جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان برئيس الحكومة نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط، كان بدوره، وفي جزء أساسي منه، يتمحور حول قانون الإنتخاب، بحيث خرج جنبلاط بانطباع مفاده أن سليمان إلى جانبه، ومن هنا كان أول الغيث وهو رفض رئيس الجمهورية للمشروع الأرثوذكسي.
فإلى أين تتجه الأمور؟ تقول أوساط عليمة، إن عمل اللجنة الفرعية لن يصل إلى نتيجة، كذلك فإن الطروحات من هنا وهناك على غرار لقاء رباعي 8 آذار، كلها عناوين تبقى في هذه المرحلة للإستهلاك السياسي والإنتخابي، على خلفية الأزمة السورية، وهي ذات صلة بالإنتخابات النيابية ومجمل الملفات السياسية في لبنان، وعندها يبنى على الشيء مقتضاه، إن على مستوى قانون الإنتخابات أو التحالفات الإنتخابية، وتبقى المرحلة الراهنة مجرّد وقت ضائع، خصوصاً أن ثمّة خيارات جدّية متداولة، فإما العودة إلى قانون ألـ60 مع تعديلات من ضمن الدوائر الخمسين، وهذا ما يُسوّق بدوره ويرضي "القوات" و"الإشتراكي" و"المستقبل" وكذلك الطرف الآخر في 8 آذار، أو هنالك تأجيل للإنتخابات يرتبط بالأزمة الإقليمية، ما يعني في وضوح أن كل طرف يواجه الطرف الآخر بطروحات تعطيه دفعاً سياسياً وانتخابياً، والأمور محصورة في هذا الإطار ليس إلا.