كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
أظهرت مداولات اللجنة النيابية المشتركة المكلفة بوضع صيغة مشتركة ومقبولة من كل الأطراف السياسيين لمشروع قانون الانتخابات النيابية الجديد وما تفرّع عنها من مواقف معلنة وغير معلنة في الاتصالات الجانبية المرفقة من هنا وهناك، جملة ملاحظات أساسية تقف عائقاً أمام إتمام اللجنة لمهمتها على الشكل المطلوب، بما يؤدي فعلياً الى الاتفاق على مشروع القانون الذي يرضي كل الأطراف بدون استثناء ويعبّر بالفعل عن تطلعات اللبنانيين ومطالبهم بقانون يؤمّن حسن التمثيل الشعبي وعدالته لكل الشرائح والطوائف والمذاهب على اختلافها ويقلّص الى الحد الأدنى والممكن لكل هواجس التهميش والاستئثار وقلة التمثيل وما شابه من شكاوى بعض الفئات والأطراف التي لم تنقطع منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، بالرغم من اعتماد قانون الستين النافذ حالياً للانتخابات الماضية بإلحاح قلّ نظيره من رئيس التيار العوني النائب ميشال عون باتفاق الدوحة إثر اجتياح «حزب الله» لبيروت والعديد من المناطق بسلاح المقاومة تحت حجج وذرائع مزيفة لفرض هذا الواقع الجديد بدعم سوري وإيراني مكشوف وتغطية أميركية مريبة.
أول هذه الملاحظات التي تكشفت عنها هذه المداولات، صعوبة التوصل إلى صيغة مقبولة من كل الأطراف السياسيين بدون استثناء، أو ترضي معظمهم بالحد الأدنى، في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي الحاد السائدة منذ مدة بين الأطراف السياسيين والأساسيين والأكثر تمثيلاً لدى طوائفهم ومذاهبهم ولانعدام التلاقي فيما بينهم منذ مدة طويلة بفعل استمرار الخلاف على مشاكل وقضايا مهمة، كمشكلة سلاح «حزب الله» الذي اصبحت وظيفته الحالية الهيمنة على الواقع السياسي والاستئثار بالقرار السلطوي واستغلال هذا الواقع لترهيب وتهديد كل المعترضين على هذه الوضعية الشاذة التي باتت تهدد وجود الدولة ككل، ومشكلة تبعية هذا السلاح وقراره لايران على حساب سيادة واستقلال لبنان ومصالح شعبه، ومشكلة عدم تسليم المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى العدالة الدولية، وما الى هنالك من قضايا متفرعة من موضوع السلاح وهيمنته على الكثير من الامور الاخرى المشكو منها باستمرار.
الملاحظة الثانية، محاولة الزعامات التقليدية المارونية السير قدماً بإقرار قانون انتخابي (المشروع الارثوذكسي) يحقق لكل منهم مكاسب آنية وشخصانية ضيقة ولو على حساب الاطاحة بقانون انتخابي جامع لكل الاطراف السياسيين والفئات والطوائف الاخرى، غير آبهين بتداعيات اقرار مثل هذا القانون على صيغة العيش المشترك ومستقبل لبنان ككل، وحتى على تحالفاتهم السياسية في المرحلة المقبلة، بعدما ظهر بوضوح ان الجنوح لتأييد هذا المشروع بهذه الحدة كان بدافع الحصول على مزيد من المقاعد النيابية لهذا الزعيم او ذاك بمعزل عن كل التداعيات السلبية الخطيرة لمثل هذا التصرف.
الملاحظة الثالثة، تظهير موقف «حزب الله» الداعم للمشروع الارثوذكسي ظاهرياً لم يكن للوقوف الى جانب حليفه النائب ميشال عون الذي توافق مع «القوات» و«الكتائب» عليه في بكركي فقط، وانما جاء هذا الدعم لدق اسفين في تحالفات الحزبين الأخيرين مع «تيار المستقبل» وباقي حلفاء 14 آذار الذين يعارضون هذا المشروع برمته منذ طرحه لاسباب واعتبارات عديدة تتناقض مع اتفاق العيش المشترك واتفاق الطائف وغيرها، لان الحزب لم يكن مقتنعاً بالاساس لمثل هذا المشروع الذي يتعارض مع مصالحه الانتخابية ومناطق انتشاره في حال تم إعتماده ويؤمن فوز العديد من خصومه وغير المنضوين في خطه السياسي، ولان اجتماعات اللجنة النيابية ونتائجها ليست تقريرية وملزمة بشكل نهائي، بل يتطلب الأمر مراحل أكثر صعوبة وأهمية، ولذلك لم يكن هناك من ضرر بإعلان التأييد لأي مشروع يريده حليف الحزب النائب ميشال عون في اللجنة المذكورة، في حين استمر موقف حركة «أمل» من المشروع المذكور قابلاً للأخذ والرد بعد اعتماد صيغة تأييد اي موقف يجمع عليه المسيحيون وهي صيغة مطاطة وتحتمل أكثر من تأويل وكان اعتمادها بدافع محاولة استكشاف مواقف كل الأطراف المسيحيين وليس بعضهم، لاتخاذ موقف نهائي من أي مشروع يُطرح،
الملاحظة الرابعة والأخيرة تظهر بوضوح أن البت بأي مشروع انتخابي تتجاوز اللجنة النيابية، وهذا الأمر يتطلب مشاورات وتوافقاً بين كبار السياسيين والمسؤولين وعلى أعلى المستويات، وهذا لم يحصل بعد بفعل انقطاع التواصل واللقاءات من جهة، ولاستمرار وجود بعض القيادات السياسية بالخارج ولانعدام الاستقرار الامني في ظل التهديدات التي تلقاها بعض النواب والسياسيين في الآونة الأخيرة وبعد جريمة اغتيال اللواء وسام الحسن مؤخراً.
وفي ضوء ما حصل وقد يحصل لاحقاً، يبدو أن الأجواء لم تُهيأ بعد لإخراج صيغة قانون توافقية لقانون الانتخابات الجديد في ظل معارضة «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» لصيغة «المشروع الارثوذكسي» المطروح، وهذا يعني استحالة طرحه على التصويت وبالتالي استبعاده والاتجاه للبحث في صيغة أخرى تلقى قبولاً من المعترضين على الأقل، وإذا تعذر ذلك في ظل الأجواء المتشنجة والانقسامية السائدة حالياً، ستبقى الأمور تراوح مكانها وقانون الستين النافذ حالياً سيكون البديل لإجراء الانتخابات على أساسه لأنه يبقى الأقل ضرراً على جميع المعترضين عليه.