
خريطة أوردها تقرير "الجمعية السويسرية للحوار الاوروبي – العربي الاسلامي" يظهر فيها التداخل في المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص (النهار)
كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":
الباب مفتوح امام تدابير تقنية مؤقتة لاستثمار محدود للموارد في المناطق المحاذية لاسرائيل والتي لا تعني الاعتراف.
اتفق لبنان وقبرص على زيادة التنسيق بينهما لاستخراج النفط والغاز من مياههما الإقليمية. وامس أعلن رئيسا جمهورية البلدين زيادة التنسيق للوصول الى آليات سليمة تسمح باستخراج هذه الثروة. ولا شك في ان هذه القضية التي تراوح مكانها منذ اعوام تنتظر اكثر من "ضوء اخضر" بعدما اشبعت درسا امميا ولبنانيا وبرلمانيا وتقنيا، علما ان مسائل حل النزاعات المماثلة عالميا كثيرة ابرزها عربي وتحديدا خليجي.
تدعو معاهدة الامم المتحدة لقانون البحار الدول الى بذل اي جهد متاح للتوصل الى "تدابير موقتة ذات طابع عملي" في الاتفاقات المعلقة والمتعلقة بتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة او الجرف القاري وفقا لما ورد في تقرير "الجمعية السويسرية للحوار الاوروبي – العربي الاسلامي". كما ان الاستثمار الموقت للموارد الطبيعية في المناطق المتنازع عليها يمكن ان يتم عبر تنقيب مشترك للموارد الموزعة على الحدود البحرية، ولا سيما ان التطوير المشترك لهذه المناطق بدأ وللمرة الاولى في الشرق الاوسط وتحديدا في دول الخليج التي وقعت اتفاقات مشتركة في هذا الشأن.
هذا في العموم. اما في التفصيل وبالاخص على المستوى اللبناني – القبرصي، فيتوجب على الطرفين وفقا للبند الثاني من الاتفاق الموقع عام 2007، التعاون للوصول الى اتفاق حول سبل استخدام الموارد الطبيعية، في حال امتدت على الخط الحدودي. ويتطرق الاتفاق الى الامر نفسه مع اسرائيل عبر اشارته الى ضرورة التعاون في التطوير والاستثمار المشترك لهذه الموارد ولو انه يربط هذه الخطوة باطار اتفاق.
في الشكل، يبدو واضحا ان لبنان يبحث منذ مدة عن وسائل للوصول الى تدبير موقت او مشترك مع قبرص (…) علما ان ثمة نماذج عدة يمكن اتباعها في هذا الصدد. اما في ما يتعلق بلبنان واسرائيل، فغني عن التذكير ان عقد اتفاق ثنائي ينظم العلاقات بين الدولتين يمكن ان يساوي الاعتراف، الا ان التقرير يبقي الباب مفتوحا امام اعتماد تدابير تقنية موقتة لاستثمار محدود للموارد في المناطق المحاذية و"التي قد لا تعني الاعتراف، وخصوصا اذا تمت الاشارة في شكل واضح الى ان لا نية للشروع في هذه الخطوة، واذا تحققت هذه التدابير الموقتة عبر آليات طرف ثالث".
وابعد من النظريات والنصوص، تبرز اكثر من وسيلة متاحة امام لبنان لحل نزاعه البحري انطلاقا مما بينته التشريعات وتجارب دول اخرى. يأتي في مقدمها البند 33 من شرعة الامم المتحدة الذي يتيح خيارات ابرزها التفاوض، التسوية، المساعي الحميدة، التحكيم والحل القضائي.
ما هي نقاط قوة لبنان وضعفه في هذه الخيارات؟
عمليا، تفرض معاهدة الامم المتحدة لقانون البحار في حالة لبنان وقبرص، اللجوء الى تدبير حل النزاع وفقا للجزء 15 من المعاهدة اذا لم يتم الاتفاق على ترسيم حدودي خلال فترة معينة. واذا لم تختر الدولتان ايا من الامكانات الثلاثة المتاحة، اي التحكيم ومحكمة العدل الدولية او المحكمة الدولية لقانون البحار، عندها يصبح التحكيم الزاميا. وفيما ينص الاتفاق غير المبرم بين البلدين على اللجوء الى التحكيم اذا ما فشلت الوسائل الديبلوماسية، يبقى البند الرابع فيه غامضا لأنه لا يحدد آليات لهذا التحكيم، الامر الذي يفرض على لبنان ابرام الاتفاق مع قبرص لتطبيق هذا التدبير.
بدورها، تولت محكمة العدل الدولية حل نزاعات عدة مشابهة وخصوصا في افريقيا والعالم العربي. ومن الامثلة التي يمكن الاستشهاد بها، النزاع بين ليبيا وتونس (1982)، وليبيا ومالطا (1985)، وقطر والبحرين (2001). كما ان لبنان نفسه تقدم وفي حالتين مختلفتين مع فرنسا امام المحكمة وذلك عامي 1953 و1959. وليس خافيا ان دخول المحكمة "على الخط" ممكن على قاعدة الموافقة، لذا فان تبني هذا الخيار يفرض على اسرائيل ان تقبل بتحويل النزاع الى هذه الهيئة القضائية.
اما في حالات المفاوضات الثنائية، فمعلوم ان لبنان شرع في مشاورات مع قبرص لمراجعة مسودة اتفاق 2007. وهي خطوة منطقية مع مباشرة نيقوسيا منح حقوق التنقيب والاستثمار في جزء من منطقتها الاقتصادية الخالصة المحاذية للبنان الذي لجأ بدوره الى الاجتماعات الثلاثية في الناقورة لمناقشة وضع المناطق المتنازع عليها.
ويبقى خيار رابع، قوامه دخول الامم المتحدة وسيطا. وعلى اعتبار المنظمة الدولية مسألة الترسيم البحري قضية ثنائية، الا انه يجوز وبموجب الفصل السادس من ميثاقها، ان تلعب دورا مهما في حل اي نزاع او وضع من شأنه ان يهدد استمرار السلام والامن الدوليين.
والسؤال الذي يطرح بقوة مفاده: هل تستأهل الكميات المحتمل وجودها هذه الجهود وقت تبقى المسوحات والخطوات اللبنانية خجولة في هذا الشأن؟ يبدو التقرير واضحا في هذا المجال بابرازه تقديرات لحقول الغاز في دول المنطقة قوامها: 50-75 تريليون قدم مكعب في لبنان (وهو تقدير متفائل)، مخزون مثبت في "غزة مارين 1 و2 " قوامه تريليون قدم مكعب، علما انه تم تدمير تسهيلات التنقيب خلال الاجتياح الاسرائيلي عام 2008، 50 تريليون قدم مكعب مقدّرة في اسرائيل ثبت منها وجود 28 تريليونا موزعة على حقول "لفياتان" (17 تريليونا) و"تامار" (9 تريليونات) و"دولفين" (0,1 تريليون) و"داليت" (0,5 تريليون) و"تانين" (1,2 تريليون) و"ماري-ب" (1,1 تريليون تطالب بها فلسطين) و"نوا" (0,04 تريليون).
اما في قبرص، فالمخزون المثبت قوامه 5,0 تريليونات قدم مكعب. ومعلوم ان المسح الجيولوجي الاميركي كان اشار الى وجود 125 تريليون قدم مكعب في هذه الدول.