#dfp #adsense

الأخضر الإبراهيمي

حجم الخط

أخطأ مَن استعجل في الحكم سلباً على الاخضر الابراهيمي. ومَن اتّهمه بما ليس فيه، ومَن حمّله أوزاراً فوق طاقاته وصلاحياته. ومَن وَجدَه في المحصلة، عنواناً شخصياً لحالة عربية دولية عامّة فأخذ يذمّه في موضع ذمّها وينتقده في موضع التبرّم من "عجزها" الخبيث.. والنتيجة ضرر وقع في غير موضعه.

الديبلوماسي الجزائري المجرّب والمحنّك، مرّ في لبنان، وتكوّنت لدى كثيرين حينها رؤى وآراء في شخصيّته وأدائه وأمانته. وهي في العموم كانت (ولا تزال) تُحسب له وليس عليه ولمصلحته وليس ضدّه. وذلك في الختام أوّل النجاح: الوسيط النزيه جملة واحدة لا تنفصم. لا وسيط إن لم يكن نزيهاً. ولا وسيط إن لم يكن أميناً. ولا وسيط إن لم يكن وسطياً.. الصفة تتبع الموصوف تبعيّة النتيجة للسبب.

رجل آدمي وموزون إلى أبعد الحدود وأقربها. وذلك لو اعتدل الميزان، أساس لا تقوم ثقة إلا عليه. مثلما لا تقوم مهمّة وساطة إلاّ على تلك الثقة وإلاّ اختلّ القياس وراح باتجاه آخر من أول الطريق، مقارباً التوصيف الخمري للمرحوم "أبو نوّاس" عن الموفد الخائن الذي ترسله إلى المعدة فيصعد إلى الرأس!

الحِمل الذي ناح به سلفه كوفي عنان إزاء النكبة السورية، حمله الابراهيمي على أكتافه وبقي صاحياً في دوخة بلاياها، وهادئاً رغم ضجيجها القتّال والصارخ والمؤذي شخصياً.. لم يرتجّ عندما عامله الطاغية في دمشق، بصلافة وغرور ورعونة. ولم ييأس عندما رفع الضحايا الشعارات والهتافات ضدّه، بل بقي أميناً لدوره وخصاله ومهنيّته: لم يستنكف ولم يحرد ولم يستقل. بل قال في اللحظة المناسبة تماماً كل "رأيه". وهذا لم يأتِ عن هوى وإنّما عن وقائع وخلاصات محدّدة وتامّة، وفيه القول الأخير ان لا مكان لبشار الأسد في أي "حل".

الهجوم السلطوي الأسدي السافر عليه بالأمس، لم يأتِ لأنّه خان وظيفته وطبيعة مهمّته، بل العكس تماماً: لأنّه التزم بهما التزاماً خالصاً ولم ينجرف باتجاه التعمية على حقيقة ما يحصل. كما لم يتبنّ مطالعة التركيبة الأسدية المتحدّثة عن "عصابات إرهابية مسلّحة" تارة وعن "جماعات تكفيرية" ومؤامرة كونية تارة أخرى، وما إلى ذلك من تهويمات وهلوسات لا علاقة لها بأي حق وأي حقيقة، بل شخّص الواقع كما هو واستخلص الخلاصات الموصلة إلى وقف النكبة عند الحدود التي وصلت إليها.

كان يمكن له أن يختبئ خلف ألف حجّة وسبب، ويطلب الإعفاء والاستغناء كما فعل سلفه عنان، لكنّه فعل العكس، ودفعته أمانته المهنيّة وعروبته المدوّلة وظيفياً، إلى إبلاغ كل مَن مشى عليها أنّ "الحل" في سوريا لا يكون مع الأسد بل على حسابه أولاً وأخيراً.

صاحب ضمير الأخضر الابراهيمي، وشاهد حق وليس شاهد زور.. سلمت.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل