#adsense

قانون “التكفيريّين”

حجم الخط

… أمّا وقد انكشفت حقيقة "المشروع المذهبي"، ولعبة "المستوْلَد القديم" في البقاع الغربي و"المستحدَث" في الرابيه تحت كَنَف النظام السوري، فإنّ العقل المسيحي بدأ يستعيد رُشْده، كي يشفى رأيُه العام من خدعة انتخاب نوّابه الـ64 بأصواته الصافية، ويتخلّص من السموم التي حقنوه بها في هياج الغرائز ضدّ اللبناني الآخر والجار النازح.

وما يُعزّي ويُريح، بعد عاصفة السموم، أنّ عقلاء المسيحيّين لم ينجرفوا في حفلة الجنون برغم ثقل اللعبة وخطورة المناورة: من رئاسة الجمهوريّة إلى بكركي (إلاّ بعضها المحموم) ومرجعيّة بيروت الأرثوذكسيّة، إلى أحزاب ونوّاب وشخصيّات وازنة، إلى كتّاب ومثقّفين وقادة رأي، إلى حال شعبيّة غير شعبويّة، حال مكتملة الوعي والخيار، واجهت بصلابة موجة السُعار الطائفي والمذهبي المقيت.

ولا يشذّ حزبا "القوّات" و"الكتائب" عن حال الوعي هذه، ولو دخلا في تحدّي المزايدة لوقف بازار استغلال المسيحيّين على عتبة الإنتخابات النيابيّة المفصليّة.

وفي تقديري، حسناً فَعَلَا لتعرية كلّ الأوراق، خصوصاً ورقة الثنائي "حزب الله" – عون في سعيه الحثيث، منذ ورقة "التفاهم" المشؤومة، إلى المثالثة، وقد حفلت أدبيّاته السياسيّة بالترويج الخبيث لها بين الضاحية والرابيه ودمشق وطهران و… سان – كلو!

ولم يكنْ أمام "محور الممانعة" أفضل من خدعة "مشروع اللقاء الأرثوذكسي" كمدخل إلى ضرب النظام اللبناني القائم على المناصفة، تحت ذريعة حقّ المسيحيّين في انتخاب كلّ نوّابهم.

ليس فقط أنّ هذا المشروع الإبليسي يفتّت المذاهب المسيحيّة من تحت ويجعلها تتناحر داخليّاً ، وتتحوّل إلى معازل بدائيّة تتربّص ببعضها، بل يكرّس الإنشقاق المسيحي من فوق لنسف فكرة لبنان من أساسها.

فماذا ينفع المسيحيّين أن ينتخبوا 64 نائباً (أو أكثر في حال زيادة مقاعد الأقليّات)، إذا ذهب نصفهم سَلَفَاً إلى مشروع غير لبناني بحكم ارتباط زعماء هذا النصف بالمشروع كما هو حاصل الآن؟

المسألة ليست فقط الإنتخاب الذاتي، بل الخيار السياسي الذي يمنع سقوط لبنان كوطن ودولة. لا يعنيني، أنا المسيحي، أن يمثّلني بعثي أو قومي أو عومي أو ستاليني… يأخذني إلى نقيض لبنان . أفضّل إذّذاك أيّ مسلم لبناني سليم في لبنانيّته: أحمد فتفت، خالد ضاهر، نهاد المشنوق، أمين وهبه، غازي يوسف، عقاب صقر و… و… يمثّلونني بفخر أكثر بكثير من: مروان فارس، أسعد حردان، آميل رحمه، بو رميا، ميشال عون و… و… أفضّل ألف مرّة مسلماً سليماً على مسيحي غير سليم.

وماذا ينفع المسيحيّين أن ينكشف عددهم أمام الطوائف الأخرى، فتنفتح شهيّة الساعين إلى المثالثة ويعودون إلى العدّ الذي أوقفه إتفاق الطائف، وقد سمعنا أصواتاً بدأت تدعو إلى ذلك؟

وماذا ينفعهم أن يرفعوا عقيرتهم وصراخهم وتشنّجهم في وجه المسلمين، فيأتي الردّ متشنّجاً وطائفيّاً، فهل من مصلحة المسيحيّين استثارة المتطرّفين وتقوية المتشدّدين؟

أكثر ما يُثير الريبة والذهول أن يهلّل عون وبطانته لوصول من يسمّيهم "التكفيريّين" إلى البرلمان بفضل مشروعه المذهبي، تحت حجّة التمثيل الصحيح للمذاهب!

من جهة، يخوّف المسيحيّين من هؤلاء، ومن جهة أُخرى يدعو إلى تمثيلهم (أي تفعيل دورهم)، في مجلسه الملّي! يريد مكافحة الخوف بالمزيد منه. وهنا تكمن حقيقة المشروع: دعم المتطرّفين لتبرير بقاء "أنظمة الممانعة".

وقد بات ثابتاً أن نظامَيْ طهران ودمشق وفرعيهما في حارة حريك والرابيه يتسلّقون ظهور المتطرّفين للبقاء على عروشهم. ويصحّ القول إنّ المشروع الإنتخابي للفرعيْن هو مطيّة للبقاء في السلطة، تماماً كمشروع الـ13 دائرة التي تتحكّم فيها بلوكات "حزب الله" بـ32 مقعداً مسيحيّاً.

أمّا البديل الإنتخابي بعد سقوط "مشروع التكفيريّين"، فلا يُمكن أن يكون إلاّ قانوناً يُبقي على التفاعل بين المسيحيّين والمسلمين ويُخرجهم من معازلهم.

والنظام الأمثل لهذه المرحلة هو في تصغير دوائر قانون الدوحة إلى ما بين 40 و50 دائرة، حيث يبقى هامش التفاعل والتأثير المتبادل على حوالى عشرة نوّاب في كلّ جانب، إلى أن يحين وقت الإنتخاب "خارج القيد الطائفي". إنّه قانون الإنتخاب التفاعلي الممكن ، قبل تجاوز الطائفيّة.

وللإجابة على أيّ مشكّك في وجود تأثير مسيحي على عدد من النوّاب المسلمين، نلفته إلى المقعديْن السنّي والشيعي في زحله، والشيعي في جبيل، والدرزي ومقعدَيْ الشيعة في بعبدا. ويُمكن إضافة تأثيرات أخرى في عكّار وبيروت وفقاً لتقسيم الدوائر. وليس صحيحاً "إستيلاد" مسيحيّين فقط في كنف المسلمين.

وإذا قال قائل إنّ الصوت الأكثري المسيحي لا يؤثّر في هذه المناطق لأنّه لا يشكّل بلوك أو كتلة واحدة، والتأثير هو معاكس، نقول: إذاً، إنّ المشكلة لدى المسيحيّين وليست في سواهم، فليتعقّلوا.

تنتهي بسرعة فترة الرؤوس الحامية والعبَث بمشاعر المسيحيّين، وتأتي مرحلة الرؤوس الباردة.

وأهل العقل والهدوء هم الغالبون.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل