كتبت روزانا بو منصف في "النهار":
على رغم ما أوحى به انخراط كل الافرقاء السياسيين بقلق وعمق في النقاش حول قانون الانتخاب، والذي اثاره التقاء الاطراف المسيحيين خصوصاً على مشروع القانون الارثوذكسي داخل اللجنة النيابية الفرعية التي اجتمعت الاسبوع المنصرم، من عزم على اجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها المقررة، فان هذه الهمة السياسية والنيابية لا تلغي بالنسبة الى مصادر سياسية مطلعة السؤال الاساسي وهو: هل ستجرى الانتخابات ام لا؟ وفيما يجزم كثر بأن الضغوط الدولية على لبنان والحكومة اللبنانية تحتم اجراء هذه الانتخابات وفقاً للالتزامات العلنية التي قطعها هذا الاسبوع ايضاً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي امام سفراء دول الاتحاد الاوروبي، فان الضغوط الخارجية ليست قوية بالمقدار الذي يثيره البعض، وفقاً لما تكشف هذه المصادر.
تنطلق التساؤلات عن احتمال عدم اجراء الانتخابات من النقاط التي طرحت قبل أشهر ولا تزال قائمة راهناً مع اشتداد الضغط على النظام السوري، اذ على عكس ما يسود من انطباعات لدى بعض السياسيين من أنه قد يناسب قوى 8 آذار و"حزب الله" تحديداً اجراء الانتخابات في موعدها، في ضوء اتضاح صورة بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في موقعه في السلطة للأشهر القليلة المقبلة نتيجة تعثر أي حل سلمي للوضع السوري وما لم تطرأ تطورات درامية تفرض خروجه قسرياً من سوريا، باعتبار ان الحزب يمكن ان يستمر في المونة على من يدور في فلك النظام، فان هذا الا نطباع قد لا يكون في محله، وفقاً للمصادر المعنية، اذ ان هذا العامل لا يبدو مؤثراً بمقدار تأثير عوامل اخرى قد يكون أهمها ان قوى 8 آذار و"حزب الله" تحديداً لن يوافقه اجراء الانتخابات بقي الأسد حتى موعد الانتخابات او لم يبقَ نتيجة عوامل عدة، قد يكون أبرزها ان الحزب لن يقبل ولن يسمح باجراء انتخابات لن تعطيه ما هو حاصل عليه راهناً. فهو من جهة لديه أكثرية نيابية ووزارية تسمح له بالسيطرة على القرار الحكومي وبيان وزاري يشرِّع سلاحه تحت شعار "الجيش والشعب والمقاومة" كما لديه الرئيس نبيه بري في موقع رئاسة مجلس النواب. واي من هذه العناصر الثلاثة لا يبدو الحزب في وارد التخلي عنها، وفقاً لما ترجح المصادر السياسية المعنية بسبب الانتخابات النيابية. ولذلك قد تكون أفضل طريقة للمحافظة على المكتسبات الراهنة للحزب عدم اجراء الانتخابات وابقاء الوضع الحالي باعتباره أقل الأثمان، لأن الستاتيكو الحالي مفيد ومقبول ويمكن ان يضمن بقاءه في حال عدم اجراء الانتخابات، وذلك ما لم يتوافر عاملان اساسيان على الاقل:
العامل الأول هو الوصول الى صيغة قانون انتخاب لا يحتمل اي هامش للخطأ في شأن حسم الاكثرية النيابية لمصلحة الحزب وحلفائه، وفقاً لما رأى كثر في اقتراح القانون الارثوذكسي. اذ ان صيغة هذا القانون وربما بعض القوانين الاخرى تساهم في ان تكون النتائج معلبة ومعروفة سلفاً. والخيار في هذه الحال هو اما الموافقة على قانون يربح الحزب فيه ويعيد فرض ما يريده او تعطيل الانتخابات بأي ذريعة، قد يكون ابرزها، ما هو موجود في الواجهة راهناً اي رفض اجراء الانتخابات على اساس قانون الستين ايا يكن الثمن لانه سيعيد انتاج الاكثرية لقوى 14 آذار، فيكون السبب لعدم اجراء الانتخابات عدم الوصول الى قانون يتفق عليه الجميع. وهو أمر يأمله كثر على أساس ان المخاوف من وضع امني يفتعل من أجل اجراء الانتخابات تبقى قائمة بقوة.
العامل الآخر قيام اتصالات بعيداً من الاضواء من اجل الاتفاق على مرحلة ما بعد الانتخابات، أي حكومة يمكن تأليفها وما يمكن ان يتضمنّه بيانها الوزاري. ولا يبدو في هذا الاطار ان هناك اتصالات او وساطات يستعد احدهم للقيام بها، كما لا يبدو وجود استعدادات لدى قوى 14 آذار للمساومة على ما بعد الانتخابات راهناً.
وثمة عامل آخر يتصل بايجاد صيغة قانون يمكن ان تجرى الانتخابات على أساسها وتعيد التوازن السياسي الحالي، اي ان اي فريق لن يضمن الاكثرية النيابية على نحو حاسم مسبقاً في موازاة الاتفاق على ما بعدها لجهة الحكومة المقبلة وبيانها الوزاري.
وهذا لا يعني في المقابل ان قوى 14 آذار قد تسمح بإمرار قانون انتخاب يؤمن سلفاً او يحسم الاكثرية النيابية لـ"حزب الله"، كما ليس وارداً لديها تقديم تنازلات في شأن مطالبها في موضوع سلاح الحزب، لكن من دون ممانعة الاتفاق على حكومة تكنوقراط بعد الانتخابات. فهذه النقطة ضرورية ومهمة باعتبار ان عدم الاتفاق قد يؤدي الى وضع ملتبس، وربما الى افق مسدود بعد الانتخابات اذا تعذر تأليف حكومة جديدة. ومن هذه الزاوية بالذات تنفذ المصادر السياسية المعنية الى موضوع الضغوط الدولية التي تشهد تضخيما في رأيها او هي مبالغ بها بعض الشيء. إذ أن هناك ضغوطاً "ناعمة" في شكل خاص واوروبية اكثر منها اميركية في هذا الشأن وهي تصب في اتجاهين: الأول ان الخارج يهمه التزام لبنان المسار الديموقراطي، والثاني ان اهتمامه اساسي بالاستقرار الداخلي الذي يعتقد ان الانتخابات تساهم في تعزيزه. وهذا العنصر الاخير أي الاستقرار هو الذي يشغل الاولوية القصوى الى درجة قبول الدول بحكومة يسيطر على قرارها "حزب الله" شرط عدم اهتزاز الاستقرار. ولذلك فان اي مؤشر على احتمال دخول لبنان في نفق صعب بعد الانتخابات نتيجة عدم التوافق على مرحلة ما بعدها تشبه تماما مرحلة الاشهر السابقة مع عدم الحماسة لتغيير الحكومة ما لم يتأمن البديل منها المتوافق عليه بين الاطراف جميعهم. مما يضع الجميع امام خيارات ليست سهلة اكانت الامور ستتجه بعد الانتخابات الى فوضى او الى عدم تشكيل حكومة جديدة يريدها الخارج مسؤولة عن الوضع او ايضاً الى كسر الواقع بشيء ما. ولهذه الاحتمالات ربما لن يكون الدفع في اتجاه اجراء الانتخابات بالحماسة المعروفة لدى الغرب عموما تفادياً لاشكالات هي في الواقع أسوأ من الستاتيكو الحالي. فيصبح تالياً الوضع الحالي اكثر من مقبول ربما بالنسبة الى الجميع في انتظار حصول حوار وتوافق ليست عناصره متاحة راهنا.