اذا كان الاخضر الابرهيمي قد أصبح كما يقول النظام السوري بعد ستة اشهر على مهمته اليائسة: "مجرد سائح يحمل ملامح معمّر هرم، ووسيط مزيف يقوم بمهمة فاشلة، وطرف وليس وسيطاً بات في كل الاحوال خارج الحل السوري"، فلا ندري ما الجدوى من صمت هذا الديبلوماسي الجزائري المخضرم، الذي يعض على جروحه منذ ستة اشهر فلا يستقيل من "المهمة المستحيلة" كما وصفها منذ البداية؟
ولا ندري ما الجدوى من تقديمه تقريراً في 29 من الجاري الى الامم المتحدة ومن ورائها طبعاً اميركا وروسيا، اللتان تعاملتا معه منذ ايلول الماضي على انه مجرد ممسحة يستعملانها لإخفاء عجزهما او بالأحرى تآمرهما على سوريا والسوريين؟
ما يفرضه المنطق على الابرهيمي هو تقديم استقالة غاضبة ومعللة، لا تتوقف عند كشف انخراط النظام في حمّامات الدم التي أودت حتى الآن بأكثر من ستين الف قتيل، في وقت يستمر دك المنازل بالقنابل الروسية تلقيها مقاتلات الرفيق سيرغي لافروف المبتسم حتى آخر قطرة دم في سوريا، بل تكشف ايضاً سخافة جامعة نبيل العربي العاجزة إلا عن استطلاع اوضاع اللاجئين السوريين بعد الصراخ اللبناني اخيراً، كما تكشف تفاهة مجلس الامن وقد تركته واشنطن رهينة "الفيتو" الروسي الذي يخفي في الواقع نوعاً من انخراط البلدين الوقح في رقص "التانغو" على قبور السوريين!
يجب الا ينهي الابرهيمي حياته الديبلوماسية بالصمت عن الحقائق التي افشلت مهمته، فهو لم يفشل بل كان اكثر جرأة وصراحة من سلفه كوفي انان الذي توارى مع نقاطه الست من دون ان يقول كلمة، في حين وضع الابرهيمي نقاطاً على حروف مهمة وكثيرة تتصل بعمق الازمة السورية، وذلك عندما "تجرأ" وطرح مسألة الانتقال السياسي وفاتح الاسد بموضوع ترشحه للإنتخابات وهو ما اعتبره النظام "وقاحة" فأنهى اللقاء معه كما أعلن النظام، الذي يريد تحميله مسؤولية الفشل لأنه يرفض بالمطلق الانتقال السياسي، معتمداً على الدعم الروسي والايراني والصيني وعلى التغاضي الاميركي وعلى التقصير العربي الفاضح.
يجب الا ينتهي الابرهيمي كما انتهى انان، شبح واختفى من دون ان يقول شيئاً، وخصوصاً ان الاسد اطلق رصاصة الرحمة على مهمته قبل ان يصل الى دمشق في رحلته الثالثة عندما تركه ينتظر ثمانية ايام في القاهرة ليحدد له موعداً ثم اكثر من ساعة في البهو ليطل عليه، فما كاد يطرح موضوع الانتقال السياسي والانتخابات حتى وقف الاسد منهياً المقابلة والوساطة ايضاً!
ولكن هل من العدل والمنطق ان تنتهي حياة الابرهيمي الديبلوماسية مع انتهاء تلك المقابلة التعيسة؟ واذا كان "حكم اسرة لمدة 40 عاماً اطول مما يجب" كما قال، فلقد صمت هو اكثر مما يجب!