#adsense

في حديث المجازر..

حجم الخط

لا يفوّت بشار الأسد أي فرصة لتأكيد مضامين خطابه الأخير وسياسته الأولى والدائمة: مواجهة الحملة المضادّة له باعتماد نهج الأرض المحروقة، وعدم الالتزام بأي ضوابط أيّا كانت طبيعتها، ميدانية أو أخلاقية، إلاّ إذا أُجبر على ذلك، مثلما هو الحال مع احتمال استخدامه الأسلحة الكيماوية.

وتيرة المجازر التي بلغت في الأيام الماضية، مَديات فظيعة وصادمة، تدخل في ذلك السياق الإبادي الحارق. واستعداده لتدمير مخيم اليرموك الفلسطيني جزء متمّم لتلك اللوحة الدموية. واستهزاؤه بالحراك الديبلوماسي الذي قاده الأخضر الابراهيمي باسم الأمم المتحدة عموماً والتوافق الأميركي الروسي خصوصاً، هو أحد مفاعيل تلك السياسة وجزء من تعبيراتها.

والواضح أنّه يستثمر في الموقفين الروسي والإيراني من جهة، وفي المراوحة الغربية في دائرة التفرّج من جهة ثانية، وفي العجز العربي المقيم من جهة ثالثة. ويحاول أن يعوّض عن قصور قواته ميدانياً في الشمال، وعدم قدرتها على تنفيذ وعود الحسم في ريف دمشق، من خلال تكثيف المجازر واستخدام أقصى القدرات النارية للفتك بالناس وإبلاغ القريب والبعيد أنّ سوريا من دونه ليست سوى حقل من الموت والدمار مفتوح على الأسوأ.

والمفارقة مزدوجة: من جهة لا يستطيع الأسد ولن يستطيع توظيف معطيات الدعم الروسي والإيراني، ولا التفوّق الناري الذي لا يزال يتمتّع به، على الأرض لحسم الحرب لصالحه، في حين تتحرّك المعارضة وتتقدّم برغم غياب الدعم الجوّي والأساسي والحاسم لها، إن كان على مستوى التسليح، أو على المستوى السياسي والديبلوماسي.

والمفارقة المذكورة هي في نهاية المطاف لبّ الموضوع وأصله وفصله. إذ ان حرب الأسد خاسرة سلفاً مهما أجرم وارتكب وفظّع.. ومهما تلقّى من دعم مخزٍ روسي في السياسة وإيراني في الميدان.. والمعارضة رابحة مهما كانت معاناتها وحجم ضحاياها.. ومهما كان الدعم الذي تتلقاه قاصراً عن تلبية حاجاتها الفعلية. أي بمعنى آخر: ثورة السوريين تامّة ووطنية خالصة. ومنطلقاتها وأهدافها ذاتية من دون شبهات، في حين أنّ سلطة الأسد قامت على تزاوج بين لغة الحديد والقتل والنار داخلياً والتزام الوظائف المطلوبة منها اقليمياً ودولياً.

وأوّل وأكثر مَن يعرف النتيجة الأخيرة لهذه الحرب هو الأسد والتركيبة القتالية المحيطة به. ولذلك فإنّ تكثيف المجازر يبدو "خياراً" لا بدّ منه. أو بالأحرى، تجربة لا بدّ من اعتمادها، علّها تكسر الميزان القائم.. وتردع محاولات "التوافق" الخارجي على مصيره، رغم أنّ هذه لا تحتاج إلى أي ردع طالما أنّها على ما هي عليه من بؤس وهريان.

قبل ذلك كله، فإنّ لغة المجازر هذه هي قبل السياسة والميدان وحساباتهما، تعبير وجيه وصادق وحقيقي عن "الطبيعة" الأولى والأساسية لحكم الأسد، منذ بداياته حتى مشارف نهاياته. وهي طبيعة تهين الجنس البشري برمّته، قبل أن تفتك فتك الوحوش والضواري والكواسر، بأهل سوريا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل