يحفر الموقف الروسي من النكبة السورية عميقاً في الواقع العربي (والإسلامي عموماً) فيما يظنُّ أصحابه في موسكو أنهم يلعبون في السياسة، وهذه دوّارة لا تتوقف عند أي معطى مبدئي وإنما تعبّر عن مصالح الدول والجماعات والأفراد في الإجمال، ولا شيء آخر.
شكل الجملة السابقة صحيح، لكن مضمونها حمّال أوجه: السياسة مصالح قبل أن تكون أخلاقاً وفتوحات ضميرية، نعم. لكن مصيبة الكامشين بالقرار الروسي هي أنهم يفترضون أن ما يحصل في سوريا هو شيء من السياسة وليس مذبحة ستكون تداعياتها طويلة الأمد في التاريخ وبعيدة المدى في الجغرافيا.. يتصرّفون وكأن العرب من دون ذاكرة، أو أن عواطفهم سريعة العطب، تفور بسرعة وتغور بسرعة أكبر.. وأنهم بالتالي روّاد تطنيش أو غافلون لا يعرفون من هو عدوهم ومن هو صديقهم. ومن هو صديق عدوّهم وعدوّ صديقهم. كما لا يعرفون قواعد الحساب والجمع والطرح والضرب والقِسْمَة. ولأنهم كذلك لا يعرفون توزيع نسب المسؤولية عن نكبتهم الجديدة على مستحقيها بعدل حسابي لا يخطئ!.
يفترضون على ما يبدو، ما هو أكثر من ذلك: يسحبون تجربتهم في الشيشان على الراهن السوري، بحيث إن الدنيا التي تعامت لألف علّة وسبب، عن المذابح التي رافقت "معالجة" الحالة الانفصالية الشيشانية وتصدّت لأعمال إرهابية ارتكبها أقوام من تلك الملّة.. هذه الدنيا هي ذاتها، وفق حسبة ساكني الكرملين، "ستمرّر" ارتكابات وفظاعات بشّار الأسد في حق السوريين، وستتغاضى في الختام عن أدوار داعميه بالسياسة والميدان من موسكو الى طهران!.
وإلا كيف، من جديد، يمكن تفسير ذلك الجموح في دعم ارتكابات الطاغية في دمشق. وفي تبرير مجازره. وفي تبرئته من بعض أفظع جرائمه مثلما حصل في جامعة حلب بالأمس؟ وكيف يمكن قراءة ذلك الصلف بعقل بارد وإغفال المعطيات البعيدة عن المنطق والسياسة فيه؟ وهي معطيات (مرّة أخرى) تبلورت في أفغانستان وتُرجمت في الشيشان وتتمظهر راهناً في سوريا.
لن تُنسى تلك المواقف. وهذا أمر يجب أن يتذكّره أسياد الكرملين تماماً. خصوصاً ان أذاهم مزدوج: أولاً لأنهم يدعمون سلطة الأسد وارتكاباته. وثانياً لأنهم يؤمّنون "حجّة الغياب" للدول التي تتفرّج على ما يحصل وتتلطّى خلف موقفهم لتبرير قعودها الذي طال، وامتناعها المرير عن التدخل لوقف المذبحة الحاصلة، وكأن سوريا غابة قصيّة، وأهلها من كوكب آخر!.
.. لم يكن أحد يتصوّر، أن "العامل الأفغاني" سيتحكّم ويؤثّر الى هذا القدر والحد بالروس جغرافياً وسياسياً واستراتيجياً: دخول الجيش الأحمر الى أفغانستان في أواخر سبعينات القرن الماضي أدى في نتيجته الأخيرة الى دقّ أول مسمار حرزان في جسم الامبراطورية السوفياتية. والهجوم الاستباقي الذي استهدف "تحصين" الدول الآسيوية في تلك الامبراطورية أدى في ختامه الى "تحصين" الحالة الإسلامية التي كانت بدأت مع الثورة الإيرانية وليس العكس، والى تفتيت وتفكيك تلك الدول والمعسكر الاشتراكي برمّته، وليس العكس.
"العقل" السياسي الذي أنتج تلك الهزيمة التاريخية المدمّرة والمنهية للاتحاد السوفياتي، هو ذاته لا يزال يتحكّم بالاتحاد الروسي ويكاد أن يأخذه الى النتيجة ذاتها! وكأن هناك "لعنة" راكبة في ذلك العقل ولا تتركه يستقر وينتج: كلما أراد أصحابه تأكيد قوتهم وعظمتهم، حصدوا خسائر لا تعوّض.. وبهذا المعنى لم يكن غريباً، أن موسكو تخسر الجغرافيا كلّما خسرت القرار المتحكّم بتلك الجغرافيا. حصل ذلك في دول المعسكر الاشتراكي السابق (في أوروبا تحديداً) وحصل لاحقاً في ليبيا وقبلها في العراق والآن في سوريا، في حين أن الأميركيين خصوصاً والغربيين عموماً حصدوا العكس: خسروا أنظمة وربحوا دولاً من مصر الى تونس الى ليبيا الى اليمن وصولاً (لاحقاً وحتماً) الى سوريا.
كأن الأمر في خلاصته تفريع من جذر واحد: الاستبداد أرعن وقصير النظر فيما الليبرالية أذكى وبعيدة المدى. لأنها في النتيجة، أقرب الى الطبائع الأولى للبشر، حيث كرامة الإنسان وسرّه الأول يُختصران في عامل لا يفنى: الحرية بكل ظواهرها ومراتبها. وأوّلها في السياسة والفكر والاقتصاد.
أما الباقي فهباء شمولي دمّر العالم وسبّب معظم نكباته.. ومنها النكبة السورية الراهنة.