كل فريق لبناني يريد من قانون الانتخاب أنْ يُعَوّضَ له ما يعدّه حقاً مسلوباً او منقوصاً في الدستور. لذلك، قوانيننا الانتخابية دساتير موقتة ومتبدلة ومتلونة. الانتخابات في لبنان ليست اختياراً بين برنامجين سياسيَين، أو بين خطتين اقتصاديتَين. وليست تنافساً بين ديغوليين واشتراكيين، كما في فرنسا، أو بين جمهوريين وديموقراطيين، كما في الولايات المتحدة. الانتخابات في لبنان نتائجها تفرز "دولة" أو "عقيدة".
وطبعاً، كُتِبَ الدستور بما يسمح لكل مَنْ تنتصر "عقيدته" أن يقول إنّ "دولته" تتوافق مع الدستور والطائف و"مقتضيات العيش المشترك"! ومن طبيعة اللبنانيين ممارسة التقيّة السياسية، أي يُضمرون عكس ما يُصَرِّحون. هذه التقية تمنع البحث عن الحلول إلا تحت ضغط الوقت أو الحرب أو الثورة. وهذا ما يُفسر أن قوانينَنا الانتخابية لا تولد إلا في الربع الاخير من الساعة.
الانسان يحتاج بين الإخصاب والولادة الى تسعة اشهر. طوائفنا لا تحتاج أحيانا إلّا الى أيام لتَحْبَلَ وتَلِدَ لنا قانوناً انتخابياً. ولأن هذا الحَبَلَ أسرع من اللازم، وهذه الولادة أكثر من "قيصرية"، يولد لنا قانون يموت في سنته الرابعة. وإن لم يمت، يجتمع حوله الاطباء، ويُشغِلون مباضعهم في عمليات جراحية، ويمارسون أحدث فنون التنفس الاصطناعي، كي "لا يموت الدستور ويفنى لبنان".
ومن طبيعة بعض السياسيين عندنا أنهم جبناء أو، تلطيفاً، بارعون في الهرب عند طرح القضايا المصيرية على بساط البحث. يجب أنْ تَدْفَعَهم الأحداث والتطورات دَفْعاً ليتكلموا في هذه المسائل. هل مسألة تمثيل المسيحيين بنت البارحة؟ بعض الامور التي نريد إقناع أنفسنا أنها استجدّت قبل سنة أو عشر سنوات، عمرها يفوق الألف عام!
المُضحك أنَّ "قانون الاقتراح الارثوذكسي" وحّدَ بين معارضيه ومؤيديه في الاعتراف بأنّ التمثيل المسيحي غير صحيح. المُبكي أنهم كلهم اكتشفوا هذا الظلم متأخرين، وأنهم يريدون تصحيح الخلل من دون الأخذ برأي المسيحيين ايضا. فجأة اكتشفوا الداء ووصفوا الدواء. حددوا لنا مكان وَجعنا فزادوا على أوجاعنا وجع الرأس. والموجوع كثيراً ما يشعر بعقدة نقص أمام الطبيب.
وكما أن بعض أطبائنا يتعاملون بفوقية مع مرضانا، ويتبرمون من اسئلتنا "السخيفة"، كذلك يفعل منتحلو صفة التطبيب السياسي. وضعوا التمثيل المسيحي على سرير العمليات، قبل أن يُجروا الفحوص اللازمة لمعرفة المرض وأسبابه. والأنكى أن بعضهم لا يريد أن يستعمل التخدير، بحجة أن الوقت دهم الجميع.
وخذ على وجع، في عملية استئصال لِما لا تشكو منه ربما! وليد جنبلاط، وقد شاهد "الوضع المسيحي" في غرفة العناية الفائقة، نَزع المصل الموقت الذي وضعوه للدروز، وهرب من المستشفى. وهذا الوطن هو حيناً مستشفى للامراض المستعصية، وأحياناً مستشفى للأمراض العقلية، وما بين الحين والأحيان، لبنان مستشفى المرضى العرب على أساس أننا "طبيب يداوي الناس وهو عليل"!
المهم أن جنبلاط هرب الى الامام، فعاد الى التداول: اتفاقُ الطائف، ومجلس الشيوخ، ومؤتمر تأسيسي لنظام جديد. فجأة اكتشفنا أن كل الطوائف تعاني أمراضاً مزمنة. فلتدخل كل الطوائف الى المستشفى. اذا كان كل لبنان في المستشفى فمَن سيداوي؟ أطباؤنا الإقليميون في غرف المستشفيات الدولية، وأطباؤنا الدوليون منقسمون بين أطباء يُعاملوننا بفوقية وأطباء يعتبرون أننا مرضى الوهم ولا نشكو شيئا.
في هذا الوقت المستقطع، أصبح المريض المسيحي يريد تطبيب المريض الدرزي. من عادات اللبنانيين السيئة أنهم يصفون الأدوية بعضهم لبعض، غير معترفين بتعب وجهد شاب أمضى خمس عشرة سنة في جامعات لبنان وأوروبا وأميركا. لماذا يريد جنبلاط أن يأتي بنواب مسيحيين له؟ نحن لا نُطالب بنواب دروز لنا. معادلة منطقية، ولكن الحقيقة أبعد من ذلك.
وهنا لا أتكلم دفاعاً عن جنبلاط، ولكن لتبيان الأمور التي نتفادى ان نتكلم فيها، على رغم أنها جوهر الموضوع. يريد المسيحيون ألّا يعكس حجمهم العددي عدد نوابهم. أصبحوا أقل من النصف في الدولة، لكنهم يريدون نصف مقاعد البرلمان.
اذاً، من حق الدروز ألّا يعكس عدد نوابهم حجم عددهم ايضا. فلبنان لا يقوم على الأعداد، وحسناً فعلَ مَنْ قَبِلَ وَقْفَ العدّادات. لبنان قام على الأدوار. ودور الدروز لا يمكن أنْ يُختصر بثمانية نواب، ولو كانوا كلهم لوليد جنبلاط. هذا ما يحاول أنْ يقوله جنبلاط، وهو محق. ولكن كما يتذاكى سُنةٌ وشيعةٌ في تشخيص داء "التمثيل المسيحي"، ثمّة مسيحيون يتذاكون في تشخيص داء "التمثيل الدرزي".
في الدولة المُركبة مَنْ "ساواك بنفسه ظلمك". المشكلة أن الدولة المركبة تحتاج الى قوانين ودساتير معقدة لتتماسك. ولأننا اعتمدنا قوانين بسيطة ودساتير "أنصاف حلول"، أصبحت دولتنا في بعض وجوهها، دولة تغلب عليها المفارقات العبثية و"السوريالية". دولة بلا ضوابط وفيها من البلايا ما يُضحك ويُبكي. خذوا هذا المثل.
شخصياً، بحثتُ كثيراً ودرستُ طويلاً الصيغ الفدرالية التي قد تصلح حلاً للمعضلة اللبنانية. في خلال قراءاتي وبحثي ودرسي، كان الكلام على الفدرالية، عند مسيحيين ومسلمين، شراً من الشرور، وخطيئة من الخطايا.
ولكن اعترف انني في كل مطالعاتي، لم أتوقع أو أعتقد أو أتخيّل أو أتصور فدرالية ينتخب فيها مارونيٌ مارونياً وكاثوليكيٌ كاثوليكياً. جاء زمن يجتمع فيه مسيحيون ومسلمون لا يحبون الفدرالية، لكنهم مع قانون انتخابي "إكسترا فدرالي". يا للغرابة.