لم تشكل زيارة رئيس "جبهة النضال الوطنيط النائب وليد جنبلاط غير المتوقعة الى موسكو مفاجأة للمتابعين لحركته السياسية التي اعتمدها في الآونة الأخيرة.
جنبلاط جاء الى موسكو في طائرة خاصة يرافقه نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي دريد ياغي وممثل الحزب في موسكو حليم ابو فخر الدين، وعلى رغم محاولات القريبين منه والعاملين على خط المختارة ـ موسكو استبعاد الإعلام كلياً عن هذه الزيارة، في محاولة لإبقائها خارج التداول السياسي على المستويات كافة من دون ايضاح الاسباب، فإنه ما أن وطأت قدماه الارض الروسية حتى بدأت وسائل الإعلام الروسية "تطبّل وتزمّر" احتفاء بعودة الزعيم الاشتراكي الى موسكو بعد جفاء استمر نحو عام، على خلفية الهجوم المركّز الذي شنه على المواقف الروسية إزاء الازمة السورية.
فالزعيم الدرزي لم يتوان عن اتهام موسكو بـ"التآمر" على الشعب السوري، لا بل ذهب الى القول إن "روسيا تحاول استعادة أمجادها القيصرية"، وإنها "تخطط مع اسرائيل وأميركا وربما تركيا لتقسيم سوريا".
واستمر جنبلاط في مواقفه التصعيدية على رغم العتاب الذي تلقاه من السفير الروسي في بيروت الكسندر زاسبيكين الذي أبلغ اليه صراحة عتب الخارجية الروسية على مواقفه، فأعلن في شباط الماضي تعليقاً على الاستفتاء الذي جرى في سوريا ان "تأييد دول كبرى لهذه المسرحيّة المسماة إستفتاء هو بدعة جديدة، فهي التي تقدم الدعم العسكري والاستخباراتي والأمني للنظام السوري وترسل أساطيلها البحريّة المتعددة والمتنوعة وخبراءها ووحدات النخبة، فيما تكرر في الوقت ذاته معزوفة رفض التدخل الخارجي ليلاً ونهاراً. فبدل أن تسعى هذه الدول الى تأمين مخارج لزمرة تحكمت بسوريا وأهلها على مدى أربعة عقود نراها متمسكة بالنظام حتى ولو على حساب وحدة سوريا ومستقبلها".
ولم يكتف جنبلاط بهذا المقدار بل توّج هجومه منذ اكثر من شهرين في معرض تعليقه على المعارك التي كانت دائرة في حلب، بقوله: "مدينة حلب تحترق وتتحول حطاماً وركاماً وسط حالة من اللامبالاة والتواطؤ تتلاقى فيها الأطراف والقوى المعنية كافة بالأزمة السورية". وحمّل حينها "المسؤولية للنظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني"، معتبراً ان "تراث حلب أقدم وأغنى بكثير من تراث عاصمة القياصرة سان بطرسبرغ".
وعلى خلفية الهجوم الجنبلاطي اعتقد البعض ان وليد بك "كسر الجرّة" ووقّع وثيقة الطلاق مع "الرفاق الروس" كما كان يحلو له وصفهم دائماً. ولكن انقلبت الصورة اليوم، وكعادته "كوّع" مجدداً في علاقته مع روسيا، فأهداف الزيارة غير المعلنة لا تتعدى إعلان المصالحة مع القيادة الروسية بعدما ادرك انه يحتاج الى غطاء سياسي دولي بعدما فقد الغطاء العربي والاوروبي والاميركي.
وعلى رغم تسريب مصادر سياسية متابعة لزيارة جنبلاط الى موسكو انّ "وليد بك قد سمع خلال المصالحة طلباً روسياً يدعوه الى ضرورة إعادة النظر في مواقفه من الأزمة السورية.
إلّا انّ جنبلاط اكد انه كرر المواقف نفسها التي أعلنها في موسكو خلال زيارته لها العام الماضي. لكن ما غمز به جنبلاط بعد اللقاء مع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف قد يكون زبدة الزيارة، إذ انه اعلن "ان الرؤية الروسية للحل في سوريا جيدة"، متسائلاً عن آليات تطبيقها، ومشيراً الى انه "سيناقش مع أصدقائه في المعارضة السورية ما توصل اليه خلال لقاءاته مع الجانب الروسي".
فهل دخل الزعيم الاشتراكي على خط كسر جليد العلاقة بين المعارضة السورية وموسكو؟ أم ان زيارته لموسكو اقتصرت على فتح الطريق المغطاة بالثلوج بين موسكو والمختارة؟