كتب رحاب أبو الحسن في صحيفة "اللواء":
عام 1953 كتب ميشال شيحا «للسياسة الحالية خطيئتها المميتة هي أنها من غير أفق، فهي عمل ضيّق يتولاه مختصون في علم الدوائر الانتخابية والمحسوبيات، لا بالأفكار العامة وصيغ التقدّم، وسيظهر لنا بمزيد من الوضوح بعد أسابيع، أن هذه السياسة صغيرة جداً وخطرة جداً أو عديمة الفائدة أو أنها قصيرة الأجل».
هذه الحال كانت عام 1953 ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا، فالأفق مسدود على أي إصلاح حقيقي، ومن يفترض أن يكونوا حاميين للدستور والإصلاح أي المشرّعين، ونعني بهم نواب الأمة كما يرغبوا أن يسمّوا يسعون اليوم مع قانون الانتخاب إلى تفصيل واحد على قياسهم وأهدافهم ومراجعهم وليس على قياس الوطن.
اليوم دخل قانون الانتخابات باب نقاش نيابي جديد مع استبعاد القانون «الأرثوذكسي» وانتهاء صلاحية قانون «الستين»، ويبدو أن الحظوظ عادت لإحياء مشروع «بطرس» معدّلاً، أي الجمع بين النسبية والأكثرية، في محاولة جديدة لإراحة كل الأطراف الرافضة «للستين» من ناحية والمؤيدة «للأرثوذكسي» من ناحية ثانية ويكون في الوقت عينه مطمئناً للمسيحيين.
ووفق المعلومات فإن الصيغة المقترحة لتعديل مشروع بطرس تقوم على المناصفة بين النسبي والأكثري أي انتخاب 64 نائباً على أساس النسبية و64 نائباً على أساس الأكثري، بدلاً من 77 نائباً على أساس النسبية و51 نائباً على أساس النظام الأكثري وفق صيغة بطرس الأصلية.
وفي انتظار ما سينتج عن الاتصالات والمشاورات النيابية – السياسية للوصول إلى مقاربة لتوزيع المقاعد بين النظامين النسبي والأكثري وفق قانون بطرس كيف يقرأ الخبراء في قوانين الانتخابات ما يتم التداول به من صيغ قانونية وما هي الصيغة الأفضل لقانون الانتخاب العتيد؟!
الهبر
مدير عام شركة «ستاتيستيكس ليبانون» والخبير الانتخابي ربيع الهبر رأى أن أي قانون سيأتي سينبثق من روحية «اللقاء الأرثوذكسي» وسيكون الأساس الذي سيبنى عليه.
وقال لـ «اللواء» لا يمكن بعد اليوم إلا وضع قانون انتخابي يمثّل جميع الطوائف بالتساوي.
واعتبر أنه في ظل رفض «المستقبل» و«الاشتراكي» للقانون «الأرثوذكسي» فيجب إيجاد صيغة لإراحتهم، ولا سيما الحزب التقدمي الاشتراكي، لأن له وللدروز في لبنان خصوصيتهم، لافتاً إلى أن الدروز ليسوا قيمة عددية وإنما قيمة معنوية وعنصر أساسي في تكوين البلد وفي قراره الأساسي، ولا يمكن بالتالي أن يفقدوا هذا القرار أو أن يعمل أحداً على إفقادهم للقرار، ولذلك يجب البحث في صيغة انتخابية تريح النائب وليد جنبلاط في أي قانون سيأتي، مستدركاً القول بأن ذلك لا يجب أن يتم على حساب الطوائف الأخرى وخصوصاً المسيحيين «حتى لا يصبحوا فقط مطراناً على مكّة».
وأكد أنه لم يعد جائزاً أن يتم اختيار وتعيين 30 نائباً مسيحياً في البرلمان من خلال الآخرين، على أن ينتخبوا هم الـ 34 المتبقين.
وقال: لذلك يجب إما اعتماد القانون «الأرثوذكسي» وأن يكون «روحية» لانبعاث أي قانون جديد.
وعن طرح قانون بطرس معدّلاً كحل، اعتبر الهبر أن قانون الوزير بطرس بعيد كل البعد عن حل مشكلة قانون الانتخاب، موضحاً أن ما يتم بحثه في هذا القانون هو عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها فريقا 8 و14 آذار وليس مدى عدالة التمثيل الطائفي الذي يؤمّنه.
وعن القانون الأفضل للمرحلة الراهنة، أوضح الهبر أن القانون الأرثوذكسي لن يمر، لأن القانون الانتخابي الأفضل هو الذي يحظى برضى جميع الأفرقاء، ولذلك أعتقد أن الدوائر الصغرى المقسّمة بشكل جيد هي خيار مهم، لافتاً ضمن هذا الإطار إلى أن القانون الذي طرحه الوزير السابق ناجي البستاني يصلح في تقسيماته ليكون منطلقاً جيداً للبحث، وإلا فليتم التوافق على أي قانون مركّب يجمع ما بين النسبي والأكثري، إنما يكون النسبي وفقاً لما ورد في القانون «الأرثوذكسي» والأكثري على قانون «الستين»، وبذلك قد نصل إلى صيغة قد ترضي الجميع.
وعن توقعاته لحصول الانتخابات، رأى أنه وفقاً للمنطق والروحية التي يجري العمل بها اليوم فيمكن ألا نصل إلى قانون جديد، معتبراً أن الانتخابات إذا حصلت وفقاً لقانون جديد تحتاج إلى رعاية دولية، أما إذا حصلت بما توفّر فستتم وفقاً لقانون الستين.
فغالي
أما مدير مكتب الإحصاء والتوثيق كمال فغالي، فرأى أن القانون الأنسب للانتخابات هو الذي يحل الأزمة القائمة اليوم، أي معضلة رفض قانون العام 2008 من قبل 8 آذار، ومشروع الحكومة القائم على النسبية وعلى أساس 13 دائرة من قوى 14 آذار ومن النائب وليد جنبلاط.
وقال: من هنا ولو طرح مشروع بطرس معدّلاً كحل يرضي الطرفين، كونه يقوم على النسبية وعلى النظام الأكثري معاً.
ولفت إلى إمكانية تعديل قانون بطرس لناحية توزيع المقاعد والدوائر بطريقة تجعل فريقا 8 و14 آذار يتأكدان من أن أي منهما لن يحصل على الأكثرية، معتبراً أن حظوظ مشروع بطرس معدّلاً ترتفع لأنه يريح الطرفين لناحية أن المعادلة السياسية لن ترجح فوز أي منهما بأكثرية عددية.
ورأى أن هذا القانون قد يريح المسيحيين كبديل عن المشروع «الأرثوذكسي» لأنه يمنحهم تمثيلاً أفضل بكثير.
ويوضح في هذا الإطار أن هناك 22 مقعداً نيابياً مسيحياً يفوزون بقرار زعيم غير مسيحي، إما درزي أو سنّي أو شيعي.
وقال: يمكن للسنّة أن يساهموا بفوز المرشحين المسيحيين في عكار وطرابلس وبيروت الثالثة، أما الدروز فيساهمون في فوز المرشحين المسيحيين في عاليه، وبالاشتراك مع السنّة يساهمون في فوز مرشحي الشوف، والبقاع الغربي، أما الشيعة فيساهمون في فوز المرشحين المسيحيين في بعلبك – الهرمل، والزهراني ومرجعيون – حاصبيا.
ولفت إلى أن جنبلاط – الحريري تمكّنوا خلال العام 2009 من إنجاح 22 مرشحاً من طوائف متعددة بأصواتهم، بينما ساهم الشيعة في إنجاح 8 مرشحين من غير طوائف (ما بين سنّة ومسيحيين ودروز).
أضاف: إذا رغبنا في الحديث عن صحة تمثيل الطوائف فإن واقع اليوم فيه غبن لعدد كبير من النواب والطوائف كالعلويين الذين يمثل نوابهم وفقاً للدورتين الماضيتين أقل من 5٪، فالنائب العلوي في عكار حصل على 2.2٪ من أصوات العلويين، بينما في طرابلس حصل على 5٪، في حين أن الذي نال أصواتاً علوية أكبر خسر في الانتخابات. كذلك الأمر بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس في عكار، حيث نجح من نال 25٪ وخسر من نال الـ 70٪. والسنّي في حاصبيا – مرجعيون فاز من نال 20٪ بينما خسر من حصل على 80٪. وكذلك الأمر بالنسبة للشيعي في زحلة حيث فاز من حصل على 4٪ بينما من نال أكثر من أصوات الشيعة خسر. الأمر الذي يشير إلى عدم وجود صحة تمثيل طائفي وسياسي، ولذلك يجب البحث عن الصيغة التي تؤمّن صحة التمثيل الطائفي ومنها النسبية التي تؤمّن وصول الأصوات المعارضة للطوائف المسيطرة على الواقع الانتخابي أو المستقلّين.
ورأى فغالي أن القرار الذي يتخذ اليوم هو قرار سياسي وليس قراراً لصحة التمثيل الطائفي، مشيراً الى الأسباب التي تدفع القوى السياسية لرفض المشاريع المطروحة، فالقوات اللبنانية مثلاً تربح بالنسبية مقاعد أكثر من دون مساعدة الحريري وجنبلاط، ولكنها تخسر سياسياً في 14 آذار، ولذلك ترفض النسبية، وكذلك الأمر بالنسبة للمشروع الأرثوذكسي، فهو وإن منح صحة التمثيل السياسي والطائفي، إلا أنه في رأي البعض يرجّح فوز أكبر لقوى 8 آذار، والأمر ذاته بالنسبة لمشروع الحكومة الذي تميل له 8 آذار رغم أنه لا يمنحها الأكثرية، ومن هنا تأتي مطالبة النواب بـ 15 دائرة لأنها برأيهم تحسّن الصوت المسيحي ولكنه لا يرضي 8 آذار لأنه يمنحهم 61 إلى 62 نائباً، وهم بالتالي غير متحمسين له لأنهم يتخوفون من أي تغيير ولو بسيط.
وعن الحلول الممكنة للخروج من الأزمة رأى أن هناك مشروعين إما قانون الستين معدّلاً كما طرحه الوزير السابق ناجي البستاني الذي وضع معياراً للدوائر من 3 إلى 5 مقاعد، أو مشروع بطرس المعدّل الذي يرضي 8 و14 آذار ولا يمنح الأكثرية لأي منهما، ولكنه يحتاج إلى تعديل في ناحيتين: حجم النسبي، وحجم الأكثري، فقانون بطرس يطرح 77 نائباً للنظام الأكثري و51 وفقاً للنسبي، مشيراً إلى أن الرئيس ميقاتي كان قدّم في العام 2005 طرحاً للجنة بطرس يقوم على المناصفة بين الأكثرية والنسبية، فالمطلوب اليوم هو التوافق على نسبة المقاعد في النسبي والأكثري، كما يجب الاتفاق على عدد الدوائر، فتقسيمات بطرس لا تريح المسيحيين الذين يشعرون بوجود انعدام توازن في التمثيل الطائفي، وهم لذلك قد يطالبون بتعديلات في الشمال لناحية توزيع مقاعد الناخبين.
ففي عكار هناك 160 ألف ناخب سنّي يحصلون على 3 مقاعد، و60 ألف مسيحي يحصلون على 3 مقاعد، و15 ألف علوي يحصلون على مقعد واحد، ولذلك فهم سيطالبون لتحسين الكوتا الانتخابية بفصل عكار عن محافظة الشمال التي يفترض أن تضم (طرابلس – زغرتا، البترون وبشرّي).
أما في بعلبك – الهرمل فالمسيحيون يرغبون بفصل بعلبك عن الهرمل ليحسّنوا الكوتا الانتخابية لديهم.
أما جبل لبنان فمقسومة إلى إثنين، وليس فيها مشكلة لأن الكوتا لا تؤدي إلى فرق جذري، ويشير في هذا الإطار إلى أن ذلك يؤدي إلى وجود 9 دوائر بدلاً من 6 الأمر الذي يريح المسيحيين جزئياً.
ويتطرّق إلى طرح لبنان دائرة واحدة على أساس النسبية، على أن يتم التوافق على عدد الدوائر بالنسبة للأكثري إما بترك الدوائر كما هي، أو تقسيم الدوائر الكبرى، الأمر الذي يمنح فرقاً في السياسة وفي التمثيل الطائفي تحديداً، إذ يمكن اعتماد النسبية في الأماكن حيث المقاعد الطائفية تحتاج إلى ذلك كما بالنسبة للمقعد الماروني في طرابلس، أو غيرها من المناطق، وكذلك بالنسبة للأرثوذكسي الذي لا يحظى بمقعد في محافظة الشمال (32 ألف ناخب) لهم مقعدان، والسنّي في بعلبك – الهرمل (17 ألف ناخب لمقعدين)، الأمر الذي يستوجب نقل هذا المقعد الى عكار لتحسين التمثيل.
وكذلك الأمر بالنسبة للمقعد الدرزي في بيروت (4 آلاف ناخب لمقعد) ويمكن نقله إلى عاليه (60 ألف ناخب لمقعدين).
أما المقعد الماروني في عاليه فيمكن نقله إلى جبيل قياساً لعدد الناخبين، والأمر نفسه ينطبق على باقي المحافظات.
وقال: هذه التعديلات ليست صعبة والمهم اتخاذ القرار للقيام بها.
وإذ أكد فغالي وجود استحالة للعودة إلى قانون الستين، اعتبر أن أمام النواب حلاً من إثنين، إما وضع قانون أو الذهاب إلى أزمة، لافتاً إلى أن حظوظ تأجيل الانتخابات توازي حلول التوافق على قانون جديد.