نص اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989 على حل الميليشيات، وتم تسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية، وألحق مقاتلو الأحزاب التي انخرطت في جبهات القتال منذ العام 1975 بالجيش، وآخرون انخرطوا في قوى الأمن وبعضهم أدخل إلى ملاك الوزارات التي تسلمتها قيادات حزبية تحولت لدى تشكيل حكومات ما بعد الطائف لتصبح جزءاً من سلطة الوفاق الوطني.
نجحت هذه التجربة على الأقل في وقف الحرب وإخراج المقاتلين من زواريب المدن وإنهاء هيمنتها على الشوارع والمناطق المختلفة، وعادت هيبة الدولة، إلا أن النظام السوري الذي كان يهيمن عسكرياً عمد بعد ذلك إلى فرض هيمنة سياسية وأمنية عانى خلالها لبنان الأمرّين وكان على اللبنانيين المشي بين الألغام من أجل الحفاظ على بلدهم والنهوض به، على الرغم من الوصاية التي مارسها نظام الأسد الأب والابن في ما بعد، والتي كانت أبرز مساوئها، هيمنة "حزب الله" بمرجعيته الإيرانية على قرار الجنوب اللبناني تحت عنوان "المقاومة"، ليتبين بعد ذلك بسنوات سر تلك "التركة الثقيلة" التي لزمت قرار الدفاع عن لبنان لميليشيا "ولاية الفقيه" وأضعفت الجيش الذي علّق اللبنانيون آمالهم عليه في توحيد لبنان والدفاع عن أرضه وشعبه.
لم يكن أحد في وارد أن يفرخ "حزب الله" ميليشيات أخرى في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتحويل وجهة مقاتليه من الحدود مع إسرائيل إلى قلب العاصمة بيروت لإحداث انقلابات على الأكثرية النيابية الديموقراطية بواسطة نشر عناصر "القمصان السود" لإرهاب أهل بيروت، ومن ثم تفريخ ميليشيات في الشمال ودعمها بالمال "النظيف" والسلاح لصالح النظام السوري ودعم دويلته بعد فقدان سيطرته على سوريا. لكن ها هو هذا السلاح يقلب السحر على الساحر ويطال أقرب المقربين في حادثة طرابلس الأخيرة التي طاولت وزير الشباب فيصل كرامي، وأدت الاتصالات إلى لجم تداعياتها، لأن ما جرى كان بين أهل البيت ولكن ليس "في كل مرة تسلم الجرة" كما يُقال، ومن أجل ذلك تحرك المجتمع المدني الطرابلسي لإعلاء صوته والمطالبة بطرابلس منزوعة السلاح، كما كانت مطالبة نواب بيروت ومبادرتهم إلى إطلاق الصرخة ضد الميليشيات الذين ظهروا في شوارع بيروت في "بروفة" لاحتلالها ومسك قرارها من قبل ميليشيات 8 آذار لترهيب أهل المدينة المتمردين على السلاح والمسلحين، فهل تحصل المعجزة ويسحب السلاح من المدن وهل يقتنع "حزب الله" ومؤيدوه بأن سياسة الاستقواء بالسلاح لم تعد تجدي نفعاً لأن الأمور باتت مفضوحة وغطاء "المقاومة" أصبح مكشوفاً؟.
يؤكد النائب الطرابلسي محمد كبارة لـ"المستقبل" "إننا ضد السلاح وحملة السلاح"، مستدركاً: "المشكلة ليست أهل طرابلس بالذات، وإنما السلاح المنتشر على كل الأراضي اللبنانية والذي تحول من سلاح مقاومة إلى سلاح ميليشيوي موجه إلى الداخل".
ويقول: "اليوم في طرابلس، السلاح الفعلي والمتوفر بكميات كبيرة، موجود في منطقة جبل محسن وعند جماعات "حزب الله" من خلال مجموعات عسكرية تابعة له في طرابلس"، موضحاً "في جبل محسن هناك ثكنة عسكرية تابعة للنظام السوري ولـ"حزب الله"، وفي أبو سمرا هناك مجموعات تابعة للشيخ بلال شعبان المدعوم من "حزب الله" والنظام الإيراني، وهناك مجموعات من مناطق عدة في طرابلس تتبع النظام السوري ويدعمها "حزب الله" أيضاً".
ويشدد على أنه "من المفترض حل هذه المشكلة، عبر نزع سلاح الحزب الذي تحول من حزب "مقاوم" في الجنوب إلى حزب يفرض هيمنته وسيطرته في الداخل اللبناني، سواء كان ذلك في بيروت أو في بقية المناطق اللبنانية. اليوم سلاح "حزب الله" سيطر على اقتصاد لبنان وأمنه وسياسته، لأنه في كل منعطف يضعه على الطاولة ويهدد به".
ولا يبدو أن النائب كبارة متفائل بتطبيق شعار نزع السلاح من طرابلس "طالما هناك جيش خارج سلطة الدولة، وطالما هناك فئة تهدد بالسلاح وتفرض هيمنتها بالسياسة والأمن والاقتصاد، حيث تقع كل المرافئ تحت سيطرة حزب الله والبضائع تدخل من دون أن تخضع للجمارك. من هنا، إن البلد لن يرتاح بوجود السلاح ولن يستقر الأمن في لبنان".
وإذ ينفي وجود سلاح في طرابلس مقابل سلاح "حزب الله" سوى سلاح فردي وشخصي "وهو أمر موجود في كل منزل لبناني، لا سلاح ميليشيوياً وحزبياً"، يقول رداً على الحادث الأخير الذي وقع أثناء مرور موكب الوزير فيصل كرامي "كان إشكالاً غير مخطط له وكان يمكن أن يحصل مثله في أي منطقة من المناطق اللبنانية الأخرى".
ويذكّر كبارة بزيارة الرئيس سعد الحريري لطرابلس وطرحه شعار نزع السلاح، مؤكداً "خيارنا الدولة والمؤسسات والجيش اللبناني والأجهزة الأمنية ولا خيار آخر أمامنا ولكن من لديهم خيار ثانٍ آخر مرتبطين بالخارج وإيران وسوريا، والسلاح موجود عندهم، هم العائق أمام تنفيذ شعار طرابلس منزوعة السلاح وهم المشكلة. اجتماعاتنا مع كل الفرقاء تشدد على التوجه نفسه وهو أن وجود الثكنة العسكرية في جبل محسن والتي تورد المشكلات، كما المجموعات التابعة لـ"حزب الله" في أبي سمرا والأسواق وفي مناطق أخرى هو أصل المشكلة وسحب سلاحها يحتاج إلى قرار من الحكومة، والحكومة في النهاية هي حكومة "حزب الله" وسوريا".
ويختم مؤكداً أن "الوضع حالياً مستقر وآمن في طرابلس وهناك وعي لدى الناس وأهل المدينة وسياسييها بأن لا مصلحة لأحد بإحداث فتنة أو "خربطة" أمنية، فالمدينة بحاجة إلى الأمن من أجل النهوض بوضعها الاقتصادي".
بالنسبة إلى نائب بيروت عمار حوري فإن الوصول إلى مرحلة تنفيذ شعار بيروت منزوعة السلاح أو طرابلس منزوعة السلاح يحتاج إلى إرادة دولة وإرادة حكومة، ومن الواضح أن مثل هذا القرار غير موجود الآن"، معرباً عن اعتقاده "بأننا اقتربنا من الوقت الذي اقتنع فيه "حزب الله" وحلفاؤه بأن هذا السلاح أصبح يشكل عبئاً كبيراً عليه وأصبح سبباً لكثير من هزائمه السياسية. لذلك فإن مفتاح الحل في هذا الموضوع هو استكمال اقتناع "حزب الله" بأن البديل الآخر، هو معركة لا أحد يطرحها. "حزب الله" أصبح قريباً جداً من هذه القناعة وأعتقد في مرحلة لاحقة أنه لا بد من أن يصل إلى هذه القناعة وأن يسلم سلاحه إلى الدولة ليصبح قرار السلم والحرب حصراً بيد الدولة اللبنانية".
ويؤكد أن "هذا السلاح ينعكس سلباً على حزب الله وعلى حلفائه أينما حصلت الأحداث، في طرابلس سلاح متفلت وليس بالضرورة أن يكون هذا السلاح سلاح حزب الله ولكن هو ساعد في ايجاد بيئة حاضنة للسلاح خارج إطار الشرعية وخارج إطار الدولة".
وعن علاقة أحداث سوريا في تطور قناعة "حزب الله" بشأن السلاح، يرى حوري أنه "مع تطور الأزمة السورية وظهور النتائج سيقتنع "حزب الله" بأن هذا السلاح الذي استعمله في الداخل فقد كل مبررات وجوده وأصبح يشكل عبئاً عليه، كذلك أعتقد أن الأمور مناطة ببعض الوقت وستصل إلى هكذا نتائج".
وعن الخطط التنفيذية يلفت حوري الى أن "بوابة نزع السلاح غير الشرعي هي معالجة سلاح "حزب الله" وأي معالجة أخرى تبقى تفاصيل وطبعاً ما من أحد يتحدث عن نزع السلاح بالقوة وإلا فإن ذلك سيؤدي إلى مجازر وهذا غير مطروح، المطلوب حل سياسي لهذا الموضوع مقدمته قبول "حزب الله" بأن هذا السلاح أصبح مصدراً لهزائم سياسية".
وعن المكان الذي وصلت إليه الدعوات لجعل بيروت منزوعة السلاح يقول: "الكرة أصبحت في ملعب هذه الحكومة العاجزة وغير القادرة على اتخاذ القرارات وتقف متفرجة وربما تكون متواطئة في بعض الأحيان".
بانتظار أن تتحرك الحكومة في خطة واضحة لنزع السلاح، يعيش اللبنانيون أينما كانوا وأيديهم على قلوبهم من المظاهر الميليشيوية المخيفة وواقع حالهم يسأل "وينيي الدولة".
لا يختلف موقف النائب السابق مصباح الأحدب عن موقف كبارة في تحميل حزب السلاح مسؤولية ما يجري في الساحة الطرابلسية ويقول لـ"المستقبل": "قبل الحديث عن نزع السلاح، فلنقل إننا نريد جمع السلاح، ولكن إذا ظهرت "بارودة" وقالوا لنا عنها إن هذه "البارودة" للمقاومة، ماذا يمكن أن نفعل بالنسبة إلى "البارودة" التي يحملها مسلح آخر"؟.
هل هذا يعني القبول بمعادلة السلاح مقابل السلاح؟ يجيب نافياً ويؤكد "بالطبع لا، نحن نقول إننا نريد الدولة اللبنانية، ولكن نريد دولة تنزع السلاح من الجميع، اليوم يقولون أن هناك سلاحاً للقاعدة ونحن نقول يمكن ولكن ماذا نقول عن سلاح "بشار الأسد"؟ "القاعدة" خطيرة وإرهابية ولكن "بشار الأسد" وسلاحه في طرابلس إرهابي أيضاً، فإما أن يتم نزع السلاح من الطرفين، لا أن ينزعوا سلاح طرف واحد ويقولوا لنا إن السلاح الآخر باقٍ وكأن المطلوب أن يمسكونا من رقبتنا لثلاثين سنة مقبلة ولن نقبل بذلك".
وعن تحرك المجتمع المدني لجعل طرابلس منزوعة السلاح يقول: "برافو ولكن.. لا نريد الحديث عن طرابلس منزوعة السلاح، يجب المطالبة بجمع السلاح، إذا لم تطلبوا تجميع السلاح فلا يمكن أن ننزعه، والحل أن لا يخرج أحد ويقول إن سلاحي للمقاومة لأن في مقابله سيكون هناك من يخرج ويقول أنا سلفي، يجب أن نجمع السلاح من الجميع، وعلى الحكومة أن تتخذ قراراً بذلك كما قال وزير الداخلية مروان شربل، الذي أعلن أن علينا معرفة الدولة اللبنانية ماذا تريد".
ويؤكد "نحن كأبناء طرابلس نريد الأمن ولا نريد أن يأتي أحد ويقول لنا لا يمكن لكم الاقتراب من السلاح المحمي من قبل بشار الأسد وبالمقابل إذا كان هناك سلاح للسلفيين عليكم مصادرته ونزعه ونحن نتمنى نزع سلاح "السلفيين" ولكن مقابله يجب نزع سلاح بشار وإيران".