
أطل وليد المعلّم ليقول أمراً واحداً، اطلّ ليعلن المعادلة التي لا يعترف النظام بسواها، وكان قد سبقه زميله فيصل المقداد الذي وبمنتهى الابتسام والتفاؤل أبلغ العالم أن الرئيس الأسد باقٍ في الحكم وأنه سيترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2014 ولكنّ المقداد بملامحه الباردة إلى حد البلاهة جعلت من تصريحه مجرّد نكته فلم تصل الرسالة المراد إعلانها بعبارات ديبلوماسيّة، استعان النظام بأستاذ ديبلوماسية النظام وليد المعلم فكان في حديثه أكثر وضوحاً، والرسالة وصلت.
إطلالة وليد المعلم كلّها للقول للعالم والعرب والروس تحديداً ـ بعدما توجس النظام خيفة من المفاوضات الثنائية الأميركية ـ الروسية وللشعب السوري أيضاً ، وهذه هي جملة المعلّم الديبلوماسيّة: «طالما يتمسكون بشرط تنحي الرئيس، فهذا يعني أنهم يريدون استمرار العنف وتدمير سوريا»!!
ببساطة شديدة أرادت ديبلوماسيّة النظام السوري تحويل تلك الجملة التي يخطها شبيحة الأسد على جدران المساجد والبيوت المحروقة وعلى جثث الشهداء: «الأسد أو نحرق البلد»!! وعندما يبلغ هكذا نظام هذا الحدّ من الدونكيشوتيّة، وعدم الإدراك والتركيز، فهو أعلن عن مبادرة ولدت ميتة فيما اعتبر «الإطلالة الأخيرة لبشار الأسد»، ومع هذا يدّعي النظام أنه مع الحوار، بل ويدعو هذا الفريق وذاك وعلى سبيل إظهار النوايا الحسنة يُعطي من لا أمان له ضمانات لمن سيشارك في الحوار!!
وليد المعلم لم يتعلّم بعد أن مرحلة المناورات قد انتهت، وأنه لا سبيل أبداً للحوار مع نظام يقتل شعبه، ورئيس غارق حتى أذنيه في بحر من دماء الأبرياء والنساء والشيوخ والأطفال، نظام لم يجرؤ على الردّ على طيران العدو الإسرائيلي عندما حلقّ فوق قصر الرئاسة، ولكنه أطلق العنان لطائرات الميغ وسوخوي في قصف مدن سوريا وشعبها وتدميرها.
مهزلة القتل هذه ستبقى مستمرّة، فالأمم المتحدة مؤسسة بلا أخلاق ولا إنسانية، وأميركا دولة في حال ارتباك وكان على العرب أن يدركوا أنه ومنذ بدأت الثورة السورية كانت أميركا قد كشفت عن حال عجز مخيفة تجاه الأحداث، وأن لا يركنوا أبداً إلى أحاديثها الفارغة عن حماية أصدقائها، هي فقط تضيّع الوقت العربي حتى تمتلك إيران القنبلة النووية وبعدها يصبح الخليج العربي واقعاً تحت رغبة صرف كل ملياراته على التسلح، أميركا وإيران وإسرائيل حلفاء، وإيران أعلنتها بالفم الملآن: «بشار الأسد خط أحمر»، وروسيا تريد الكثير من المكاسب قبل أن تترك بشار لقدره!!
ووسط هذه الصورة المظلمة وهذه المعادلة المخيفة: «الأسد أو نحرق البلد»، نقول: إنّ الواقع السوري ليس يائساً ولا ميئوس منه، بل على العكس من وسط هذه الظلمة الحالكة سيأتي فجر سوريا الحرّة، فعبر التاريخ الإنساني كان هناك النمرود بن كنعان، وكان هناك أيضاً فرعون، كلاهما عبد الأصنام ثمّ تألّه، وبشار أقل من هذين الجبّاريْن بكثير، إنه ضئيل جداً وواهٍ حتى العجز، لأن الأقدار الحقيقيّة ترسم في السماء ومنها تتنزّل على الأرض قال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}[السجدة: 5]، وأنّ لحظة انتهائه ونظامه آتية لأن وعد الله حقّ بأخذ الجبارين أخذ عزيز مقتدر، ودأب آل الأسد كدأبِ آل فرعون، وسيأخذهم الله كما أخذ آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 41 ـ 42].