فوضى “اللوحات الحمراء” برعاية سماسرة الدولة: “ربع” سيارات الخط” غير قانوني والمعقل الاساس في الضاحية الجنوبية (بقلم ربيع دمج)

تلقّى السائق يوسف حمدان إتصالاً من مفرزة سير طرابلس يبلغه بأن عليه محضر ضبط مخالفة سرعة مقيّد عليه منذ العام 2008، وعليه التوجّه فوراً إلى سراي طرابلس لدفع الغرامة والمستحقات المتتأخرة، وإلا سيلاحق قانونياً ويمنع من السفر.

حمدان المنتسب إلى النقابة منذ 7 سنوات لم يصدق ما سمع، معتبراً القصة مزحة من أحدهم، ليتحقق من الأمر فيما بد ويتبيّن له وبعد جهود شاقة، بأن رمز ورقم لوحته العمومية تحملها سيارة أخرى غير شرعية تعمل على الخط في الشمال.

حادثة من بين 250000 ألف مخالفة مشابهة حصلت في العام2012 على كافة الآراضي اللبنانية، بحسب ما يؤكد رئيس النقابة العامة لسائقي السيارات العمومية في لبنان مروان فياض.

فبعد أن كانت الضاحية الجنوبية لبيروت وعدداً من قرى البقاع مسرحاً للمخالفات القانونية بهذا المجال، دخلت بيروت في العام المنصرم لائحة المناطق المخالفة، بعد طرابلس والقرى المجاورة لها. وبحسب فياض فقد تم توقيف داخل بيروت فقط نحو الخمسة وعشرين لوحة مزوّرة تعمل على عينك يا شرطي"، مضيفاً بأن "لا يوجد أي آلية فعلية حتى اللحظة لضبط المخالفات، وتركيز قوى الأمن الداخلي منصب على مخالفات الركن في أماكن ممنوعة، بينما المجرمون الفعليون والمزوّرون يسرحون ويمرحون حتى وصلت وقاحتهم السير داخل العاصمة، وطالما الواسطة فعّالة يتم معالجة المسألة بكل بساطة".

صرخات النقابيين والسائقين العموميين وتجاوز المزوّرين الخط الأحمر، دفعت بوزير الداخلية والبلديات مروان شربل للخروج عن صمته وتبشير اللببنانيين، في مطلع السنة الجديدة، بقرب انتهاء زمن تزوير لوحات السيارات، لافتا إلى انه "سيتم استبدا اللوحات الحالية بلوحات جديدة ستحمل علامات كثيرة لا تزور". وأكد ان "بدء التطبيقات الجديدة ستتم خلال الاشهر القليلة المقبلة، موضحا ان "هذه الخطوة هي أول خطوة في تطبيق قانون السير الجديد".

حوادث أمنية عدة وقعت العام الماضي، كان ضحاياها من مستقلي النمر الوهمية، بعضها تم التبليغ عنها، والبعض فضل أصحابها البقاء في الخفاء. واخر هذه الحوادث ما تعرّض له مواطن فرنسي أثناء انتقاله في سيارة أجرة من نوع "نيسان" من ساحة ساسين وبداخلها شخصين، أقدم أحدهما على شهر سلاح بوجهه اثناء وصوله في طريق فرعية في بدارو، وسلباه مبلغ 40 دولار أميركي وبطاقتي ائتمان". وذلك بحسب المصادر الأمنية.

حكاية مماثلة حصلت منذ عدة أشهر مع الصحافي مصطفى رعد، عندما إستقل سيارة من امام السفارة الكويتية في منطقة بئر حسن، وكان بداخلها ثلاثة شبان، وحسب ما يقول رعد إنه "تأكد جيداً بأن النمرة حمراء، أي قانونية، فاطمأن باله وصعد"، إلا ان بعد وصول السائق إلى محلة الأوزاعي، شهر الشبان إضافة للسائق، سكاكين بوجهه، طالبين منه تتظيف جيبته من المال وما يحمل معه من ساعة يد وجهاز كومبيوتر محمول، ثم رموه خارج السيارة، وعندما حاول أخذ رقمها، لاحظ انها مطلية، أي انها كانت في الأصل لوحة خصوصية. وكان الشعار الأزرق بارز رغم محاولة تغطيته بالأحمر.

ويؤكد مصطفى أنه توجه إلى مخفر "الأوزاعي" لتقديم بلاغ، إلا أنه تفاجأ بالرقيب داخل المخفر يقول له "عد في الغد لأن الكهرباء مقطوعة الآن". وبعد عدة أيام من المدّ والجزر بينه وبين المخفر، بسبب الممطالة من قبل رجال الدولة، عرّف عن نفسه انه صحافي وسينشر ما حدث معه وتقاعس الشرطة عن تأدية واجبها، بعد ذلك تم تحويل قضيته إلى مخفر حارة حريك، وهناك حاول العقيد المسؤول في المخفر إسترضاءه كي لا ينشر القصة في الإعلام، وبعد أشهر وصله بلاغ إلى المنزل يشير إلى أنه تم القبض على عصابة سرقة، من ضمنهم الشبان الذين سرقوه، وهم من عائلة زعيتر وقطايا والجمل.

ما يقارب الـ150 حادثة سرقة وإستدراج وقتل تمت في لبنان، بواسطة سيارات أجرة مزوّرة وغير شرعية، منذ بداية عام 2012 حتى تاريخه، منها ما ذكرها الإعلام وبعضها ظلت طي الكتمان، إلا أن فوضى اللوحات المزوّرة تتفاقم بشكل كبير ومن دون أي رادع من قبل المجرمين.

أرقام وزارة الداخلية تخالف الأرقام الواقعية

لوحات توزّعها مافيات السيارات الصغيرة المقدّرة بـ50 الف رقم، أي بما يزيد بـ 15 الفاً عن العدد الصادر عن وزارة الداخلية، تجتمع اليها الحافلات المتوسطة المتعارف على تسميتها بـ"الفانات" والتي يعمل منها فعلياً نحو 14 الف أي بزيادة 10 آلاف عن العدد المرخّص له رسمياً، وهذا حسب الرقم الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية.
وبحسب مصدر امني، فإن أبرز المناطق التي لا تراعي شروط وقانون السيارات العمومية هي الضاحية الجنوبية وأطرافها كشويفات وخلدة، كذلك طرابلس، لا سيما مع الفلتان الامني الحالي، أما البقاع فقصته قصة، إذ أن أعداد اللوحات المزورة على سيارات النقل تفوق ضعفي اللوحات القانونية، تعمل هذه السيارات بنشاط كبير على مختلف الطرقات البقاعية. المتابعون يقولون إن ذلك يعود إلى سببين، الأول متعلق بإجراءات نشر وإلصاق الملصقات الجديدة على السيارات التي تحمل لوحات قانونية، لذا يستغل أصحاب اللوحات المزورة الوقت الضائع. أما السبب الأهم، فيتمثّل في الغطاء السياسي الذي يتمتع به أصحاب اللوحات المزورة، يقول متابع للقضية "القوى النافذة في البقاع تحمي هؤلاء، المضحك أن هذه القوى متناحرة في السياسة، لكنها تلتقي في تغطية المخالفات".

من إستغلالات بعض أصحاب المركبات والفانات لغياب الرقابة عن هذه المناطق، قصة وقعت مع شاب من آل ناصر الدين ( وهو طالب في جامعة بيروت العربية)، ثالث أيام عيد الأضحى الماضي، حين استقل حافلة صغيرة متوجهاً إلى مدينة عاليه، وعند الوصول إلى السفارة الكويتية، إستأذنه سائق "الفان" ليوصل شاباً يجلس إلى جانبه على بعد أمتار، ثم ما لبث ان أكمل في اتجاه برج البراجنة حيث دخل زاروباً مظلماً وانهال ومن معه على الراكب وسرقاه ورمياه في الشارع. تمكّن الاخير من تسجيل رقم الحافلة لكنه حتى اليوم لم يتوصل الى نتيجة، إذ تبين بعد التحقيق والتدقيق أن رقم لوحة الفان مسحوب من النافعة أي انه مزوّر ولا وجود لأي دليل عن مالكه الأصلي.

محاولات وزير الداخلية لم تغيّر الواقع

على طريق الحل، حاول وزير الداخلية مروان شربل معالجة القضية، كان آخرها إقتراح أجهزة إستشعار، والتي لم تصل بعد، وتنتظر الوزارة استلام ما بين 500 و1000 منها، ليتمّ توزيعها على عناصر الشرطة المنتشرين في الشوارع. وتعمل هذه الأجهزة بنظام مشابه للريموت كونترول وبطريقة "الباركود" وهي قادرة على كشف شرعية اللوحة أو عدمها عبر صفارة تطلقها عند تمريرها على الملصقات التي وضعتها الوزارة على جانب كل سيارة عمومية مسجّلة في" النافعة ". المسألة بحسب شربل "صعبة وهي تحتاج الى توضيب وترتيب"، والى حين استلام هذه الأجهزة وتنفيذ الوعود الرسمية وتطبيق القانون يبقى الوضع مفتوحاً على اعتصامات للسائقين تغلق الطرق وتوقف البلد كما على حوادث خطف وسرقة تهدّد سلامة المواطنين وأمنهم.

لا ينكر شربل أن هناك فوضى، لكنه يؤكد "صعوبة تطبيق القانون بوقت وجيز، اذ ان المسألة تحتاج إلى توضيب وترتيب وإخلاء المنطقة من المتطفلين كما الوقت، اذ لا يمكن للوزارة من توقيف جميع سائقي السيارات العمومية للتأكد من شرعيتها"، يؤكد ان " القانون سيطبق على الجميع، وهناك تعاون مع المعنيين في كل المناطق لتسهيل عمليات التفتيش لأن لا أحد فوق القانون".

فياض: سلطة المافيا هي السائدة

بحسب القانون الخاص بعدد اللوحات العمومية، يشير فياض بأن "العدد الأقص للسيارات، يجب ألا يتجاوز 33 ألف لوحة، و4 ألف للميكرو باص، و 2500 لوحة للباصات الكبيرة"، مضيفاُ"حسب الأرقام التي تردنا من وزارة الدلخلية ومن مفارز السير، هناك ما يفوق الـ300 ألف مركبة، 90 في المئة منهم مخالفة".

ويؤكد فياض أن "المحلات التي تصب هذه النمر، لا تهتم بهوية صاحب الدفتر أو المستند القانوني الخاص بملكية المركبة، ما يهمهم هو الصب والقبض، فبمبلغ عشرين ألف ليرة يحصل المزوّر على لوحة، فقط عليه إبراز رقم اللوحة الموجودة على الدفتر، وبعدها تتم العملية بسلام"، لافتاً إلى أن معظم هذه المحلات، وبحسب معلوماته الأكيدة والتي كشفها بنفسه، موجودة في الكرنتينا، نهر الموت، الاوزاعي، حي السلم، الغبيري، وفي منطقة باب الرمل في طرابلس". ويشير إلى أنه "لا يمكن حالياً إستتثناء أي منطقة، لأن المخالفات أصبحت ظاهرة وليست حالة، إلا أن الضاحية الجنوبية والبقاع وبعض قرى الشمال، هم الأكثر مخالفة".

ويرى فياض ان "لا حل قريب لهذه الآفة، لأننا نعيش في دولة المزارع، ولن يتمكّن أي قانون من حل الأزمة، وما يقال عن القانون الجديد هو مجرّد فقاعات صابون، لأن الواسطة لا يشملها بنود القانون الجديد، وإذا تم تطبيقه، ستستغرق المسألة شهور عدة للحد من البعض منها، وليس القضاء عليها".

مناطق نموذجاً للمخالفات

المخالفات الأمنية والمرورية ليست محصورة داخل منطقة معيّنة، لأن الأمر تحوّل إلى ظاهرة حقيقية في معظم مناطق لبنان، وأضحى يشبه العدوى بانتقاله من مكان إلى مكان، ولكن للحقيقة والواقع وبشهادة أهل المكان، فإن تلك المخالفات منتشرة بشكل أكبر داخل "الضاحية الجنوبية"، على الرغم من أن "حزب الله" يقول انه رفع الغطاء الأمني عن المخالفين، إلا أن المخالفات لا تزال موجودة، الأمر الذي يتطلب تعاونا كاملاً بين المشرفين على الأمن في المنطقة وبين الدولة.

فعلى أوتوستراد "السيد هادي"، يمر يومياً ما يفوق الخمسمئة سيارة تحمل لوحات بيضاء، عدا عن بعض السيارات التي قام أصحابها بطلي لوحاتها بالأحمر للتمويه. الامر الذي غالباً ما يلتبس على قسم كبير من الركاب، لا سيّما كبار السن والفتيات الصغيرات، ما يسهّل بالتالي عملية سرقتهم او اختطافهم، وربما قتلهم في حال مقاومتهم كما حصل.

أما عن الفانات المخالفة فحدث ولا حرج. لا يمكن أن يتم تعدادها، و75% منها مزوّرة ، فمعظمها مزور وغير قانوني، لا بل يقودها شباب دون السن (تحت الـ18 سنة)، وهذه الباصات الصغيرة تعمل بين حي السلم والمشرفية النقطة الأقصى لنطاق عملهم، وأحياناً إلى جسر المطار، أما بعد تلك الرقعة فلا يتجرأ هؤلاء من التقدم أكثر كونهم مخالفين وحتماً سيقعون في مصيدة الشرطة. وهناك فانات تعمل بين المشرفية والشويفات، وبعضها داخل الضاحية (بئر العبد، حارة حريك، المريجة)، وأيضاً هي بمعظمها مخالفة.

ودخلت بيروت منذ فترة وجيزة، بورصة التزوير(حسب المصدر)، إذ تمكنت وحدات من مفرزة سير بيروت من توقيف عشرات السيارات، في الشهر الأخير من العام 2012، قام أصحابها بتغيير لون اللوحة لتتحول ببرهة من نمرة خاصة إلى نمرة عمومية.

أما بعض السائقين فلجأوا إلى الطرق الأسهل والأبسط في التزوير، وذلك عبر طلي لوحتهم البيضاء باللون الأحمر، بعدها ينطلقون إلى مزاولة المهنة. وهناك من يلجأ إلى تزوير ذات الرقم، عند إخصائي، ويضعه على عدة مركبات.

نجدي: سماسرة الحكومة يسهلون عمليات التزوير

من جهته يؤكد رئيس إتحاد للنقل البري عبد الأمير نجدي، "أن المخالفات تعمّ لبنان بأكمله، خصوصاً في موضوع النقل العام، لكن الأهم من الحديث عن المخالفة، هو من يصنعها؟ ومن يسهل لها؟". ويتابع "مافيا الحكومة والدوائر الرسمية والسماسرة، هم الذين يسهلون عمليات التزوير مقابل مبالغ مالية معيّنة.

والمشكلة بحسب رأيه لا تكمن فقط في التزوير، وإنما السماح لسائقين غير لبنانيين بالعمل على الخط، وهذه مخالفة بحد ذاتها، إذ يقوم أي صاحب سيارة عمومية شرعية ومزوّرة، بتأجير سيارته لمواطن من المقيمين العرب ليعمل عليها، وإذا وقع حادث، لا يمكن أن يفعل هذا الأخير أي شيء سوى الإتصال بصاحب المركبة كي يأتي. وهذا ضمن نطاق التزوير، على حد قول نجدي.

شهادات من أهل "الكار"

حسين عطوي سائق فان (بين منطقة الكولا وحي السلم)، لا ينكر أن "اللوحة العمومية التي استأجرها، بدايةً بـ 400 ألف ليرة شهرياً، أصبحت فيما بعد بـ 200 ألف ليرة"، بعدما علم أن صاحب اللوحة يعتمد أسلوب تأجيرها لأكثر من خمسة سائقين، يتوزعون بين بعلبك والبقاع الغربي والجنوب وبيروت وحتى الشمال.

ويلفت حسين إلى " أنه فور استئجار اللوحة، تسجَّل في مصلحة تسجيل السيارات، ويُدفع كل ما يستحق، وبعد شهر تقريباً، تؤجَّر لسائق فان آخر، يعمل في منطقة أخرى، وفي هذه الأثناء يكون صاحب اللّوحة قد بدّل دفتر السيارة الحقيقي بدفتر مصوّر صورة ملونة، ليعمد فيما بعد الى تفريغ القديم على الأوراق الرسمية، في الدوائر الرسمية، ليصبح الفان أنقاض، أي لا يحقّ له السير داخل الأراضي اللبنانية، وهكذا تسجل اللوحة على أكثر من فان، وصاحب اللوحة المصورة يتقاضى أجرتها من السائقين أقل من الأجرة الحقيقية".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل