من غير المستبعد ولن يكون مفاجئا ابدا، ان يبدأ استجرار الضغوط الخارجية والمتعددة العواصم على مجموع القوى السياسية اللبنانية لحملها قسرا على اجراء الانتخابات المترنحة عند قانون مستحيل.
فعلى اللوحة الضوئية الان، لا تزال لوحة اسماء النواب في المجلس خامدة ومعتمة، فيما تضيء لوحات خليجية وغربية بمحطات حصلت واخرى ستحصل. مشهد السياسيين والنواب المأزومين بجدل النهار والليل في ساحة النجمة، يقابله تهليل غير عادي لاستقبال السعودية رئيس الحكومة نجيب ميقاتي واعداد لزيارتين باريسيتين للرئيس امين الجميل والنائب وليد جنبلاط، وهمس آمل "وواعد" بتحريك وتيرة اللامبالاة الاميركية "المزعجة" بالاستحقاق اللبناني مع اوباما الثاني. غير ان المفارقة هذه المرة، هي ان المتدخلين المفترضين هم بدورهم مأزومون اكثر من المأزومين انفسهم، ولا "ضمان" اطلاقا للرهان على "دوحات" خارجية او داخلية تنقذ الاستحقاق من عجز اهله.
لا الغرب ولا الخليج في وارد ما يتجاوز الشكليات المبدئية التي تختصرها عبارة سحرية هي اجراء الانتخابات في موعدها، لان "الاصدقاء" الغربيين ومثلهم "الاشقاء" الخليجيين مأزومون بأولويات تحول معها "الزمن الاول" من لبنان المدلل الى سوريا النازفة والكاشفة عجز العالم بأسره.
ولعل افضل ما يشهده لبنان من باب "الضارة النافعة" هو ان ينصرف لمرة لاقتلاع اشواكه بيديه، في لحظة ادبر عنه الاهتمام الخارجي والتدخل الخارجي وكل نفوذ خارجي. ولكنها تجربة لا تزال تجرجر الشكوك العميقة، بدليل "انتعاش" الرهانات على عودة كل هذه التدخلات من هنا وهناك، ورسم سيناريوات مضخمة لا تحتمل في واقعها اكثر من ابقاء الصلة قائمة بالعالمين العربي والغربي.
واذا كان لبنان السياسي والزعاماتي والطوائفي يقف عند لحظة اشهار افلاسه وعجزه عن مجرد تشريع لقانون انتخابي، قبل اقل من خمسة اشهر من موعد استحقاقه، فلا ندري ما يمكن ان يستجره رهان على ضغوط خارجية في اللحظة الاخيرة غير اجراء الانتخابات بقانونها القائم في اقصى الاحوال. ولا ندري اين يقع هذا "الهم" مثلا في اولويات اميركا وفرنسا وروسيا والسعودية وما اذا كان لبنان لا يزال يضيء نقاطا حمراء لدى حكامها في حين تمضي سوريا الى سنتها الثالثة من الاهوال والمجازر وكل هذه الدول مع المنظومة الاممية جمعاء تعلن بدورها افلاسها المماثل للافلاس اللبناني عن اجتراح الوصفة العجائبية لوقف شلالات الدماء.
بعض التواضع فقط امام هذه المفارقة هو ما يعوز الساسة اللبنانيين و" كبار" محلليها ومنظريها. وثمة شكوك متعاظمة في عودة هذه "الفضيلة" الى لبنان الموعود بتغيير "ديموقراطي وسيادي" خالص… هذه المرة.