#adsense

خروج الروس

حجم الخط

لا تحتمل الرسالة تأويلات التخفيف التي رافقتها: خروج الدفعة الأولى من المواطنين الروس من سوريا يعني شيئاً واحداً وهو أنّ مَن كان يحمي هؤلاء على مدى الشهور الماضية في دمشق وجوارها، لم يعد الآن قادراً على ذلك. أي أنّ السلطة الأسدية التي ملأت الهواء بالحكي، والجرائد بالحبر عن دخولها مرحلة "الانتصار"، تلقّت من داخل بيتها ضربة معنوية وسياسية كبيرة جعلت من كل ذلك الجهد والهباء سواء.

وكيفما دارت التأويلات، فهي في ختامها لن تكون لمصلحة ماكينة البلف التي اشتغلت بكامل زخمها خلال الأسبوعين الماضيين. وأطلق إشارة التشغيل لها بشار الأسد شخصياً من خلال خطابه الأخير، والذي أظهر فيه، على عادته، قدراً كبيراً من التحدّي… والغربة عن الزمان.

تكثيف الضخّ السلطوي أخذ أشكالاً عدّة، لكن صورته المطلوب تظهيرها كانت واحدة: الإيحاء بأنّ السلطة تخطّت مرحلة الانهيار وبدأت العودة العكسية… سيرغي لافروف كان حاضراً على عادته أيضاً، للمشاركة في الحملة. قال فجأة من موسكو إنّ "رحيل" الأسد مستحيل. الإيرانيون بدورهم أخذوا قسطهم. وقال علي أكبر ولايتي ما قاله عن "الخط الأحمر". فيما كانت التسريبات "التحليلية" تأخذ مداها إعلامياً وسياسياً وفي لبنان أكثر من غيره. وتلك تضمّنت من جملة ما تضمّنته، خبريّات مُضحكة وأخرى تعلن أنّ الجيش يعدّ العدّة (؟) لحسم معركة ريف دمشق، وأنّ الإيرانيين لعبوا دوراً محورياً في تركيب رديف سلطوي لذلك الجيش أكثر تطوراً من تركيبة الشبّيحة والذبّيحة. وأنّ عملية "شطف الدرج من فوق" ستتدحرج بدءاً من العاصمة وريفها وصولاً إلى حلب وحمص وحماة شمالاً ودرعا والطريق إليها جنوباً… وأنّ الأسد شخصياً يبدو "مرتاحاً" في هذه الفترة أكثر بكثير ممّا كان عليه في الفترة السابقة، وما إلى ذلك من قراءات تستند إلى بعض الوقائع لتركّب خلاصات غير واقعية.

العقل البارد يقول، إنّ سيناريوات الخلاص والانتصار المشابهة تكرّرت في الأشهر العشرين الأخيرة أكثر من مرّة، وذهبت مع الريح في كل مرّة… ولن تختلف النتيجة راهناً رغم الاستناد إلى واقع لا يُنكر وهو ازدياد معاناة أهل الثورة من ضمور المدَد المطلوب على كل المستويات، ومراوحة "المجتمع الدولي" في مكانه الملتبس وصولاً إلى تكوّن قناعة لدى كثيرين من أنّ سوريا بالفعل دخلت في مرحلة احتراب طويلة المدى، وفيها شيء من الحالة اللبنانية: الجلوس عند باب المستشفى. ممنوع الدخول إليه للمعالجة الحاسمة. وممنوع الابتعاد عنه بشكل يجعل من خدمة الطوارئ غير فاعلة عند أي انتكاسة مدمّرة وكبيرة!

تلك الحالة تحطّم سوريا وتطيل وتعمِّق عذابات أهلها، لكنها ترضي "الجميع" وتلائم حساباتهم. وهذه للمفارقة، تضع إيران وإسرائيل في خانة واحدة: الطرفان لا يريدان سقوط الأسد. ولكلٍ حساباته! وهذه قصّتها طويلة… وتقريباً بطول "الخط الأحمر" الذي أُعلن جهاراً من طهران وتسريباً من تل أبيب! ولكن مع ذلك، يُفترض بالعقل البارد أن يعود إلى البدايات ويتذكّر ويُذكِّر: الشعب السوري فعل المستحيل أصلاً عندما انتفض. وفعل المستحيل فرعاً عندما صَمَدْ. ويفعل المستحيل أصلاً وفرعاً عندما يتقدّم ولا يتراجع. ومعظم حراكه كان صناعة وطنية صافية. وهذه تستبطن الكثير ممّا لم ولا تلحظه حسابات الخارج، أيّاً كان ذلك الخارج.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل