#adsense

“المستقبل”: ترهيب الشهود.. و”رُهاب” المحكمة

حجم الخط

كتبت فاطمة حوحو في "المستقبل":

أخذت مسألة نشر إحدى الصحف المحلية الممانعة ما أسمته "تسريبات" من المحكمة الدولية ضمّت أسماء شهود مفترضين، قسطاً واسعاً من الأخذ والرد، ولم تبالِ الصحيفة بتعريض حياة 557 شاهداً في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للخطر، ولأهداف غير متعلقة بالطبع بالسبق الصحافي، بل لأهداف سياسية مفضوحة، كشفت المقالة المنشورة عنها، عندما تناولت مباشرة النائب مروان حمادة ووجهت إليه تهديدات بالقتل، كما أوضح مكتب حمادة الإعلامي على خلفية انتقاده خرق سرية التحقيق من قبل الصحيفة المذكورة ونشرها أسماء وصوراً وعناوين والسيَر الذاتية للشهود في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ما زعمته الصحيفة عن الشهود، تناولته أمس المحكمة في بيان لها، دانت فيه محاولات تخويف الشهود، وتوقفت أمام كشف مواد سرية لزعزعة العدالة، مؤكدة أن "الأشخاص الذين يكشفون معلومات سرية من المحكمة، يعتبرون مخالفين مخالفة مباشرة لأوامر قضائية وقد يخضعون لإجراءات قضائية لانتهاكهم حرمة المحكمة".

المصري: شكاوى للقضاء

يؤكد أستاذ القانون الدولي شفيق المصري لـ"المستقبل" أن سرية التحقيق وسرية الإجراءات ما قبل المحاكمة مسألة متفق عليها بالنسبة الى نظام المحكمة"، معتبراً أن "مسألة التسريبات، إذا كان هناك من تسريبات وكانت صحيحة فللمحكمة طبعاً أن تجري تحقيقاً في كيفية وصول المعلومات الى الصحيفة، وإذا لم تكن صحيحة فالمحكمة قد تتجاوزها وتعلن أن المعلومات غير صحيحة. أما ملاحقة الأشخاص بشأن تسريب المعلومات فهذا الأمر من مسؤولية المحكمة وصلاحيتها. ويبقى السؤال من أين جاءت هذه المعلومات؟".

ويتابع: "من هنا فإن عبارة تعريض الأشخاص لعقوبات، موضوع يمكن أن يحصل بالاتفاق بين المحكمة والسلطات القضائية اللبنانية التي تقوم بالتحقيقات اللازمة لمعرفة مصدر المعلومات ونشرها في الوقت الذي يقتضي احترام المحكمة والمحاكمة وكل هذه الأمور، وإذا حصل هذا الأمر فيكون من خلال تكليف المحكمة الدولية القضاء اللبناني التحقيق ومن ثم المحاسبة".

ويوضح: "ما أقوله هو افتراض نشر الخبر نقلاً عن مصدر في المحكمة، فقبل محاسبة الناشر يجب محاسبة من سرّب له المعلومات، إذا كانت صحيحة أم لا، وفي الحالة الثانية يجب أن تعلن المحكمة أن ما ورد غير صحيح وغير دقيق وغير منضبط، وبالتالي إذا كان هناك شك في بعض الأمور، فالمحكمة لا يمكن لها أن تحاسب مباشرة، بل يمكن أن تطلب من السلطات القضائية اللبنانية التحقيق بالموضوع ومن ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة".

وعن الخطر الذي يمكن أن يتعرّض له الذين نشرت أسماؤهم كشهود، أكد المصري أن "على الأفراد الذين وردت أسماؤهم المطالبة بمقاضاة الصحيفة أو أي وسيلة إعلامية تكون قد نشرت الخبر، عبر رفع شكاوى الى القضاء اللبناني وضمها في دعوى واحدة، فالمحكمة هنا لا علاقة لها لأن هذا الأمر خارج مهامها الأساسية المتعلقة في قضية اغتيال الرئيس الحريري، لأن نشر الاسم سواء كان صحيحاً أم لا قد يعرّض الشخص للمخاطر وقد يشوّه سمعته، طبعاً الشخص نفسه يقدر الأمر ويقدم شكواه للسلطات اللبنانية".

ليان: المحكمة تحمي الشهود

ويرى نقيب المحامين في بيروت السابق ميشال ليان أن "بيان المحكمة صارم بشأن الإجراءات ويتناول فئتين، الأولى تتناول أفراداً في الوسائل الإعلامية الذين يكشفون معلومات سرية لزعزعة مسيرة العدالة، والثانية الذين يكشفون معلومات سرية ويخالفون بذلك الأوامر القضائية ويخضعون بالتالي لإجراءات قضائية لانتهاكهم حرمة المحكمة، والنصوص التي تطبّق على هاتين الفئتين هي أولاً نصوص تطبيق قواعد الإجراء والإثبات المعتمدة لدى المحكمة التي تحدد بموادها الثالثة والرابعة وما يليها القواعد الواجبة التطبيق والتي تفيد بأنه إذا لم يكن منصوصاً بقواعد إجراءات التثبيت يطبّق عندها قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبنانية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والمبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي، وكذلك مبادئ التفسير المحددة في القانون الدولي كمعاهدة فيينا عام 1969. وانطلاقاً من هذه المواد فإن المحكمة تنبه تنبيهاً شديد اللهجة على أن هاتين الفئتين من المخالفين، الفئة التي تنشر والفئة التي تسرب من داخل أجهزة المحكمة الأربعة، أي القلم ومكتب المدعي العام ومكتب الدفاع والمحكمة بحد ذاتها البدائية والاستئنافية، يكون جرمها خطيراً ويشكل انتهاكاً لحرمة المحكمة".

وعن كيفية مقاضاة هؤلاء ومن هي الجهة المختصة بذلك يقول ليان: "يمكن تطبيق قواعد الإجراء والإثبات إذا كان هناك من نص يطالهم في قانون المحكمة الدولية، وفي حال لم يكن هناك نص صريح بهذه القواعد تُعتمد المبادئ التي نصت عليها اتفاقية فيينا والمعايير الدولية والمبادئ العامة للقانون الجنائي والدولي وعند الاقتضاء قانون العقوبات اللبناني".

وحول كيفية حماية حقوق الشهود الذين نشرت أسماؤهم ومدى صحة ما نُشر يوضح "المحكمة الدولية لم تحدد في بيانها ما إذا كانت المعلومات المنشورة صحيحة أم لا، بل قالت "شهود محتملين"، ولكن في كل الحالات هناك أصول تنص عليها إجراءات المحكمة، يمكن لهم طلب الحماية من المحكمة إذا وجدوا أنفسهم معرضين للخطر، وهناك قواعد في القانون الدولي عن الشهود المعرضين للخطر فيمكن الطلب من محكمة البداية الحماية اللازمة للشاهد في البلد الموجود فيه والمحكمة تنظر بطلبه هذا، أي لا يرفع دعوى خاصة لا الى المحكمة ولا الى القضاء اللبناني بل هو يرفع طلب تأمين حماية".

ويتابع: "التعامل مع المحكمة الدولية من قبلنا كلبنانيين يجب أن يكون أكثر جدية، وعدم التعاطي معها باستهتار حتى الذين يرفضون التجاوب مع المحكمة، هؤلاء يرفضون تنفيذ أوامر قضائية وقد يتعرضون حسب القوانين الدولية للمحاسبة لأنهم يعرقلون سير العدالة الدولية، ونحن قد نتفاجأ في لبنان بعمل المحكمة، لأن عملها لم يخترق ذهنيتنا، في عدم التفلت من العقاب، لأن هذا المبدأ يُعمل به في لبنان، أي أحياناً يقال أن لا قوة في العالم يمكن لها أن تحضر فلاناً أو فلاناً أمام القاضي الجزائي في بيروت، هذه ثقافة خطأ وتصرّف خطأ. يجب أن نضع أنفسنا في جو ثقافة قانونية والتجاوب مع متطلبات العدالة لكشف الحقائق وعدم الإفلات من العقاب، هذه الثقافة تحتاج الى عمل كبير حتى تترسخ في أذهان أفراد المجتمع اللبناني".

وعن حق الصحف في النشر، يميّز ليان بين حق حرية الإعلام التي يجب الحفاظ عليها ضمن إطار القانون، لأن الحرية ليست مطلقة، وبين الحرية التي يجب ألا تضر بغيرنا وتعرّضه للخطر، فالحرية الإعلامية محكومة بالأخلاق الإعلامية وعدم إلحاق الضرر بالأشخاص".

يشكل بيان المحكمة رؤية واضحة في كيفية التعاطي مع تسريب الأسماء الذي تشير مصادر الى أن الفاعل قد يكون من فريق الدفاع عن المتهمين بالجريمة، في إطار خطة "حزب الله" وسوريا لإلغاء دور المحكمة عبر التشكيك بها، إلا أن التجارب المشابهة أثبتت أن مثل هذه المحاكم لم تتراجع عن القيام بدورها في أكثر من قضية دولية، ونجحت في مهامها رغم التهديدات والصعوبات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل