الحوار مع مستشار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري النائب السابق الدكتور غطّاس خوري غنيّ جدّاً ومشوّق لتشعّبه، من كواليس السياسة المحلّية المُطّلع على أدقّ تفاصيلها وخفاياها وزواياها، إلى كواليس السياسة الخارجية المُلمّ بخطوطها العريضة من خلال علاقاته الديبلوماسية الواسعة مع دوائر القرار الغربية والعربية. ولكن الكواليس المحلية والخارجية لا تحول دون اتخاذ خوري، على رغم ديبلوماسيته الرفيعة، مواقف واضحة وصارمة من الملفّات الخلافية التي تبدأ بالسلاح ولا تنتهي بقيام الدولة.
• هل تخشون عدم إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، أو أقلّه تأجيل تقني لا يتجاوز فترة شهرين؟
– لا يوجد في لبنان قوى سياسية قادرة على تأجيل الانتخابات. عام 2005، وفي ظلّ ظروف أشدّ تعقيداً ممّا هي عليه اليوم، جرت الانتخابات التشريعية. حتى أحداث 7 أيار واحتلال بيروت لم يمنعا انتخابات 2009. الشيء الوحيد الذي يمنع إجراء الانتخابات وقوع حدث أمنيّ كبير، كاندلاع حرب مع إسرائيل أو امتداد نيران الأزمة السورية الى لبنان. أمّا إذا قبلنا بتأجيل تقني، سنفتح الباب أمام اجتهاد كبير حول مدّته، والكلام على التمديد للمجلس النيابي الحالي هو خطيئة.
• هل يقدِم "حزب الله" على تعطيل الانتخابات، فيما لو اتّضح أنّه يتّجه نحو الخسارة؟
– لا شك أنّ أيّ طرف متضرّر من الانتخابات سيعمل على تعطيلها. لكنّ "حزب الله" لن يقدم على مغامرة أمنية على غرار ما جرى في أيّار 2008، بسبب اختلاف الظروف الإقليمية، ووسط ما يجري في العالم العربي، إلّا أنّ تلك الأحداث أدّت إلى اتفاق الدوحة الذي تقرّر فيه اعتماد القضاء وحدة انتخابية، وهذا الاتفاق لم يكن على أساس دورة واحدة ونهائية، علماً أنّ العماد ميشال عون تفاخر بترجيع الحقّ الى اصحابه. وقد فزنا في انتخابات 2009 على اساس هذا القانون. لا يعني ذلك أنّ قانون الـ60 لا يشوبه أخطاء، لكن لا يمكن اليوم إنتاج أيّ قانون انتخابي من دون رعاية عربية ودولية، ولا يستند الى اتّفاق الطائف.
• ما الذي دفع بالمسيحيّين إلى تبنّي "الاقتراح الأرثوذكسي"؟
– لا شكّ أنّ القوى المسيحية تطالب بتحسين تمثيلها. لكنّ التجييش الطائفي جرّهم الى هذا المواقع. الاقتراح الأرثوذكسي يخالف مبدأ 14 آذار التي جمعت المسيحيين والمسلمين في ساحة الشهداء، ونجحت في جلب شريكها الأساسي في الوطن الذي بات شعاره "لبنان أوّلاً".
إذا طرح "الأرثوذكسي" على التصويت سينال الأكثرية، ولكن استبعد وصوله إلى الهيئة العامة في مجلس النواب، فضلاً عن معارضة رئيس الجمهورية ميشال سليمان هذا المشروع لمخالفته الدستور.
• ما الحلّ للخروج من المأزق؟
– العودة إلى روح 14 آذار المتمثلة بالتحالف المسيحي- الإسلامي. فوظيفة 14 آذار ليست مواجهة 8 آذار حبّاً بالمواجهة، بل بهدف "العبور إلى الدولة" وترسيخ الخطاب العابر للطوائف.
• هل تنوي خوض الانتخابات النيابية المقبلة؟
– يتوقف ذلك على طبيعة القانون الانتخابي الذي سيتمّ الاتفاق عليه. ففي حال إقرار "الأرثوذكسي" لن أترشح لأكون مطراناً أو كاهناً، وأمّا خلاف ذلك فبالتأكيد سأترشّح.
تركيبة الحكومة المقبلة
• ما طبيعة حكومة ما بعد الانتخابات في حال فوز 14 آذار؟
– تشكيل الحكومة يجب أن يتم على أساس رؤية وأهداف وطنية، إنّما المشكلة تبقى في المكوّن الشيعي. السيّد حسن نصرالله دعانا بنفسه الى تأليف حكومة إذا ما ربحنا انتخابات 2009، ولكنّ الحزب عاد وتراجع عن هذا الوعد. المطلوب تشكيل حكومة أكثرية تكون منفتحة على كلّ الأطياف السياسية، ولديها نظرة موحّدة تجاه بناء الدولة. لكنّ الحديث عن تأليف حكومة وحدة وطنية بما يتناسب مع حجم الكتل البرلمانية، فالتجربة أثبتت فشلها ولا يجب العودة إليها على الاطلاق. إذا أفرزت الانتخابات أكثرية لمصلحتنا، على الحزب ان لا يتجاهل إرادة الناخبين، وأن يقدم على خطوة جريئة بتسليمه المتّهمين الأربعة باغتيال الشهيد رفيق الحريري لفتح الباب أمام إمكانية العودة إلى الحوار مجدّداً.
• لماذا ربط المشاركة في الحوار بتطوّرات الوضع السوري؟
– هذا الكلام غير دقيق، المشاركة في الحوار تتصل حصراً برفض الطرف الآخر ترجمة التزاماته والتعامل مع الآخر على قاعدة المساواة، من تسليم المتّهمين إلى دخول القوى الأمنية إلى كلّ المناطق اللبنانية. نجلس مع "حزب الله" الى طاولة الحوار عندما ينصاع لسلطة القانون، ويقوم بتسليم المتهمين.
• ما تعليقك على تمسّك الحكومات في بيانها الوزاري بمقولة "جيش وشعب ومقاومة"؟
– هذه المقولة أتت نتيجة تسوية سياسية بين قوى 8 و14 آذار. لكنّها سقطت بسبب هيمنة المقاومة على الجيش والشعب. ففي حين كنّا نناقش على طاولة الحوار الاستراتيجية الدفاعية، كان حزب الله يرسل بطائرة أيّوب الى اسرائيل. يتحدث عن سياسة النأي بالنفس تجاه الأزمة السورية، في حين يخوض عناصره القتال الى جانب الرئيس بشّار الأسد.
• تنتقدون حزب الله في حين أنّ تيار "المستقبل" يدعم المعارضة السوريّة…
– الشيخ سعد الحريري كان أوّل الداعمين للثورة السورية، لكنّ تيار المستقبل هو تيار سياسي وليس تنظيماً عسكريّاً، وليس لديه مقاتلون ولا يملك الإمرة والسيطرة على أيّ تنظيم عسكري على غرار "حزب الله".
العلاقة مع جنبلاط
• ما صحّة الكلام أنّ أبواب السعودية لن تفتح أمام النائب وليد جنبلاط إلّا على أساس أثمان انتخابية لـ"14 آذار"؟
– نحن متفقون مع جنبلاط في المسائل الاستراتيجية ومقاربة الأزمة السورية، لكن هناك بعض المسائل قيد الدرس، وقد جرت لقاءات عدة بين الطرفين. واتّهام الحريري بعرقلة علاقة جنبلاط مع المملكة عارٍ عن الصحّة، وهذا ليس من طبع الحريري.
•هل هناك نيّة في إيجاد صيغة انتخابية تمنع جنبلاط من الاستمرار في كونه "بيضة القبّان"؟
– قوى 8 آذار يسرّها أن تحصل على الأكثرية النيابية من دون الحاجة الى جنبلاط، فتحالفه معها مبنيّ على أسس هشّة، خصوصاً أنّ كلام الزعيم الدرزي عن السلاح والنظام السوري هو نفسه موقف 14 آذار. كما أنّ هناك ايضاً داخل 14 آذار من يريد خوض الانتخابات من دون جنبلاط، لكنّ "المستقبل" يشكّل التيار الوازن في هذه القوى ويتقاطع مع جنبلاط في كثير من المناطق، ولا سيّما في الشوف والبقاع الغربي وسيسعى للتحالف معه.
• كيف تصف العلاقة مع رئيس الجمهورية؟
– نثمّن المواقف التي اتّخذها رئيس الجمهورية للحفاظ على الدستور، وموقفه من اغتيال اللواء الحسن، وانتشار السلاح والأزمة السورية، ونعوّل على دوره بحماية الدستور ومعارضته لـ"الأرثوذكسي".
• هل تستطيع قوى 14 آذار خوض الانتخابات في غياب الحريري؟
– غياب الحريري له انعكسات سلبية على تيار المستقبل بشكل خاص وعلى قوى 14 آذار بشكل عام. ولا نستطيع الفوز بالانتخابات من دون عودة الشيخ سعد، مع احترامي للأوزان التي يمثّلها كلّ من الرئيس فؤاد السنيورة وفريد مكاري وميشال فرعون. 14 آذار تحتاج لمن يشدّ عصبها، هناك واجهة شعبية لأيّ تحالف سياسي، فجمهور 14 آذار والمستقبل يعرّف عن نفسه بصورة سعد، وبالتالي سنخسر الانتخابات ما لم يعد.
• ما صحّة الكلام عن تراجع شعبية "المستقبل"؟
– المستقبل يمثّل نهج الاعتدال وله منطلق وطنيّ، ويتقبّل وجود شخصيات سنّية معارضة له، ولا يلجأ إلى تفجير السيارات، وحصره ضمن طائفته السنّية يدمّره. لا تراجع في صفوف مؤيّدي المستقبل، فحين سيعود الحريري وتنطلق الماكينة الانتخابية، ستعود الأمور الى سابق عهدها. أمّا القوى الأخرى فهي تعبّر عن وضع خدماتي ومناطقي، نفوذها محصور، وليس لديها تمثيل على مستوى لبنان. تيار المستقبل يشكّل نموذجاً للاقتداء به في العالم العربي، ويستطيع السنّة في كلّ من مصر وتونس وليبيا الاقتداء به لتأسيس أحزاب سياسية تتعاطى مع الآخر على أساس المواطنة من دون ان تقيم للدين صلة.
• كيف تقرأ زيارة الشيخ أحمد الأسير إلى منطقة كفرذبيان بالأمس وما هي أهدافها؟
– هي زيارة إعلامية للأسير، ولكنّ ردود الفعل التي رافقتها لا تتناسب مع حضارة هذه المنطقة التي تميّزت بالانفتاح على الزوّار من أيّ حدب وصوب أتوا. وكان يقتضي التفاهم عليها قبل حدوثها لتدارك ما جرى. ومن دون أدنى شكّ، أراد الأسير تضخيمها للفت وسائل الإعلام الى وجوده.
• ألا تشكّل لقاءات ميقاتي في السعودية اعترافاً سياسيّاً به؟
– كان ميقاتي على رأس وفد يمثّل الحكومة اللبنانية في مؤتمر اقتصاديّ دعت اليه السعودية، ولم يخرج ذلك عن سياق اللقاءات التي قامت بها الوفود المدعوّة الى القمّة والتي التقت وليّ العهد. لم نقل إنّنا نريد الانتقاص من الحكومة اللبنانية، ففي المرّة السابقة كان الحريري يجلس في الصف الأمامي فذهب الى ميقاتي وطلب اليه الجلوس الى جانبه. أمّا الحديث عن تغيير في الموقف السعودي وتظهيره على أنّه اعتراف سياسي بميقاتي فمجرّد شطارة إعلامية.
• هناك عتبٌ قوّاتي على أنّ رضى المختارة أهمّ من رضى معراب بالنسبة إلى وادي أبو جميل…
– جنبلاط بدوره عاتب على الحريري، بحجّة أنّه يراعي جعجع أكثر منه. نحن في تحالف سياسيّ، نؤمن بمشروع الدولة التي يجب أن تبسط سلطتها على كامل أراضيها، ووقف تفلّت السلاح وترسيخ سيادة واستقرار لبنان. علينا وضع مسألة من يحصل على مقعد بالزائد أو بالناقص جانباً. في 2009، فزنا بأكثرية 72 نائباً ولم نحكم، وبالتالي الطريقة الوحيدة لنتمكّن من الحكم أن نكون متفاهمين ومتضامنين في خياراتنا. وعتب جعجع على الرئيس فؤاد السنيورة لعدم حضوره اجتماع تضامن قوى 14 آذار مع الزعيم القواتي الذي تعرّض لمحاول اغتيال هو على قدر المحبّة، ولكن علينا التعالي عن الشكليّات لأنّ السنيورة بدوره مهدّد، ووضعه الأمنيّ ليس أفضل.
الأزمة السوريّة
• كيف تتوقّع أن تكون ردّة فعل حزب الله بعد سقوط النظام السوري؟
– لا يبدو واضحاً ما سيقوم به "حزب الله" في ظلّ ارتباطه العضوي بإيران ومنظومتها الأمنية. ولكن هذه المسألة ترتبط بالتفاوض القائم بين الإدارة الأميركية وفريق باراك أوباما الجديد مع إيران، وبالتالي ستكون ردّة الفعل الايرانية في لبنان تحت سقف هذا الاتفاق، ولا يمكن ان تخرج عن المعقول. أمّا في حال لم يتمّ التفاهم بين واشنطن وطهران، فلا أستبعد أن ينفجر الوضع في لبنان وقد تتّجه الأمور نحو الحرب، مع العلم أنّني أرجّح حصول هذا التفاهم الذي بدأت مؤشّراته قبل انتهاء ولاية اوباما الأولى، فالرئيس الاميركي يحبّذ إبعاد خيار الضربة العسكرية.
• هل تخشون صفقة إيرانية – أميركية على حساب لبنان؟
– إيران لن تتساهل في مسألة خسارة الورقة اللبنانية، ولكنْ لردّة فعلها حدود. فهي لن تستطيع إذا سقط الأسد، دفع حزب الله الى حرب جديدة منفرداً، فهناك صعوبة في استخدام هذه الورقة من دون دعم لوجستي لطالما وفّرته سوريا للحزب. أمّا الحديث عن أنّ لبنان سيكون جائزة ترضية فهذا غير منطقيّ، صحيح أنّ الدول تتعامل بمنطق المصالح، ولكن علينا أن نخرج عن وضع الأمور في خانة المؤامرة التي زرعها حزب البعث السوري في عقول الطبقة الساسية في لبنان.
• كيف ترى مستقبل الأزمة السوريّة؟
– المؤشّرات توحي بأنّ الأزمة السورية طويلة، إلّا إذا جرى انهيار كبير داخل النظام وخلق ظروفاً جديدةً. فالنظام قطع كلّ الحبال ليكون مشاركاً في حلّ الأزمة كمفاوض مقبول، وبعد أن أخذت الأمور هذا المنحى العسكري المدمّر، بات المجتمع العربي والدولي مصرّاً أكثر على استبعاد الأسد عن أيّ تسوية مقبلة، والحوار معه بات من المحرّمات.