كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
ديبلوماسياً، لم يبقَ في ميدان النظام السوري المتهاوي إلا "حديدان". كالعادة، ودونما اكتراث بالجرائم والمذابح التي يقترفها الأسد بحق شعبه يوميا، يلازم "الهدوء" تصريحات سفير الأسد في لبنان علي عبد الكريم علي ومؤازره وزير الخارجية اللبنانية عدنان منصور.
وإن كانت "حكومة السلاح" قد "أطمعت" ممثلي نظام الأسد لإستغلال المنابر اللبنانية المشرّعة دائما لهم، تبقَى علاقة السفير محصورة بمنبر وزارة الخارجية، كون الوزير الذي يمثل حكومة "حزب الله" بطبيعته "عاقلاً" وكتوماً، لا يُسائل السفراء ولا تبادر الى عقله الشكوك ولا تحوي ديبلوماسيته أي تساؤلات. زيارة "خفيفة نظيفة" يصرّح فيها السفير بكل ما يريده مستخدما منبر الخارجية اللبنانية على أن الوزارة ملك له أو وكأن المنبر "ملك سايب" يبحث عن "خطيب".
ومن غير "الخطيب" الناطق باسم بشار الأسد في لبنان الذي يحقّ له أن يوجّه الرسائل في كل الإتجاهات؟. فبعد يوم واحد على ظهور الأسد "مصلّيا" وقواته حاقدة، يطلّ علي شاكرا منصور على الإهتمام بالنازحين، بعدما تعثّرت جهوده في إقفال الحدود في وجههم. وفي موقف تابع لإقفال الحدود، وتابع لدخول مندسين أسديين في صفوف النازحين، وطلب رئيس الجمهورية مساعدة لبنان على تحمّل أعداد النازحين، طمأن علي لبنان واللبنانيين الى أن "الأعداد تبادر بالعودة الى سوريا".. مقفلة بذلك الطريق على المساعدات الدولية لهم!
هكذا وكأن شيئا لم يكن، ودون أي تبدّل استراتيجي، عدا الدعوات "الفقاعة" لإجراء حوار سوري داخلي، أراد علي أن يوهم العالم بأن الكل مصرّ على العودة الى سوريا للحوار مع رئيسه وقاتل شعبه، قائلا "كل هذا يشكل الآن عوامل جذب وتطمين (..)"، في وقت أكّدت المفوّضية العليا للاجئين أن "أعداد النازحين في لبنان بلغت 212 الف نسمة"، هذا فضلا عن غير المسجّلين..
ولا يتردّد علي في القول "سوريا الى الأفضل".. دون أن يحدد ما هو الأفضل بالنسبة إليه. فهل يكون أفضل ما قد تواجهه دولة هو قتل الشعب؟ أو إفراغ البلد من المواطنين؟ أو هدم القرى والمناطق ومدن بكاملها؟ أو قصف المخابز وقتل المواطنين بالطيران؟ من هذه الإحتمالات يختار علي ورئيسه الخيار الأفضل لهما. فإن كان علي يقنع منصور بهذه التطورات، فربما قد ينجح.. أما إن أراد إقناع اللبنانيين والعالم كلّه فهذا لن يتمّ إلا بعد أن يغادر بشار الأسد سوريا الى غير عودة، عندها فقط سيعود النازحون الى "أطلالهم".
والأسوأ أن علي يقرأ الإستنتاجات في تصريح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي قال بأن "الإهتمام الدولي بالوضع في سوريا يبدأ بالتراجع في الوقت الذي تحلّ محلّه أحداث أخرى"، متناسيا أن فابيوس كان عبّر في نهاية العام الماضي عن فرحه بأن حكومته، اي الحكومة الفرنسية، هي أول المعترفين بالمعارضة السورية من بين 100 دولة، لبنان ليس واحدا منها أو بالأحرى حكومة لبنان.
لا شكّ بأن علي، وبعد عامين تقريبا على بدء الحرب في سوريا، لا يعرف ما هو الأفضل لسوريا، كما لا يعرف الوزير منصور كيف "تُقفل" حدود الكلام.. فهو لم يصغِ يوما الى ما يريده شعبه حين طالبت المنظمات الشبابية بطرد السفير السوري دفاعا عن كرامة وزارة الخارجية.. فليس بغريب أن لا يُسائل السفير عن إثباتات على كلامه، أو أن يستفسر منه، مجرّد الإستفسار عن سبب قصف القوات السورية البلدات العكارية الأسبوع الماضي. وإن كان ما يجمع الرجلين أقوى من الديبلوماسية، فإن الشعبين اللبناني والسوري سيبلغان ما هو أفضل بعد التخلّص من كل داعم للنظام السوري.
في هذا الإطار، يعتبر عضو كتلة "المستقبل" النائب خالد ضاهر أن "السفير السوري يثير السخرية ويكشف كذب النظام المفضوح أمام الرأي العام السوري واللبناني والعربي والدولي بهذه الإدّعاءات الكاذبة سواء لجهة عودة المعارضة الى الداخل أو النازحين بعد ما نشاهده من طيران خصوصاً أن المطارات مقفلة".
ويتابع ضاهر "السفير السوري كان يكذب منذ اليوم الأول لمجيء النازحين الى لبنان حين أنكر وجودهم، وكان يعتبرهم زوارا". ويبدي أسفه "حيال تصرفات حكومة بشار الأسد في لبنان التي كانت تساير النظام السوري وتسير في المخطط عينه، من دون أن تتجاوب مع دعواتنا لإقامة مخيّمات، لأن المخيمات كانت ستكشف حجم النازحين والمأساة الإنسانية التي كان يتهرّب منها النظام السوري".
ويؤكد ضاهر على أن "حجم النازحين المفزع اضطر حكومة بشار الأسد الى طلب العون لأن المشلكة أصبحت متفاقمة ولأن الضغوط من المنظمات الدولية والداخل اللبناني تزداد". ويختم "عدد النازحين اليوم بلغ 250 ألفاً، فضلاً عن أعداد غير المسجّلين وهناك تخوّف من أن يزداد العدد الى نصف مليون".
من جهته، يعلّق رئيس "اللقاء المستقل" وعضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار المحلل السياسي نوفل ضوّ على زيارة علي لمنصور قائلا "النظام السوري هو الأول في العالم بإمتلاكه سفيرين في بلد آخر هو لبنان، الأول اسمه علي عبدالكريم علي والثاني عدنان منصور"، ويتابع "نحن نفهم عملية التنسيق القائمة بينهما ونفهم كيف ينقل السفير توجيهاته الى الوزير، فإما الوزير هو برتبة سفير، وإما العكس". ويشير ضوّ الى انه "كان من الأفضل لوزير الخارجية، بدل أن يبذل جهوده في التنسيق مع السفير السوري، أن يبذل 10 % من هذه الجهود في تسجيل الناخبين اللبنانيين المنتشرين في كل أصقاع العالم لمشاركتهم في الإنتخابات".
ويرى ان "الوزير حوّل مكاتب وزارة الخارجية في لبنان الى منبر للنظام السوري ليبث من خلاله تشويه صورة الواقع القائم". أما عن الرسالة التي أراد السفير توجيهها، فيقول "ليس الهدف من الكلام المغلوط حول عودة النازحين الى سوريا "تجميل" صورة النظام السوري فقط، إنما الخطورة في هذا الموضوع أن السفير يحاول قطع الطريق على المساعدات الدولية والعربية للبنان من أجل إعادة النازحين". ويختم ضوّ "هذه الرسالة تهدف الى إغراق الدولة اللبنانية في مشاكل إقتصادية ومالية أكبر في إطار المنهج السوري المعتمد في لبنان بإضعاف الدولة وتفكيكها وإفقار الشعب اللبناني قبل كل شيء".