
في حديث للعماد ميشال عون الى صحيفة "السفير" بتاريخ 16 حزيران 2012 قال: "لا يمكن إجراء الانتخابات النيابية في المناخ الحالي خصوصاً إذا كان بعض المناطق معطّلاً". وعن قانون الانتخاب قال: "إن النسبية لا تريح المسيحيين فقط بل تريح كل الأقليات دينية كانت أم سياسية، وفي الوقت عينه تبقي الأكثريات وتشجع الأحزاب الكبيرة"، وانه مع لبنان دائرة واحدة وإن كان المسيحيون لا يريدونها، وهو يدعمها بالكامل ليس مزايدة بل "لأنني أريد أن ألغي الخطاب الطائفي".
منذ ذاك الحديث و"التيار الوطني الحر" مع حليفه "حزب الله" يبحث عن سبب يحول دون إجراء الانتخابات في موعدها، وهذا السبب إما يكون أمنياً أو خلافاً حاداً على قانون الانتخاب. فحيناً يرى أن الوضع الأمني في عكار وفي طرابلس لا يسمح بإجرائها، وحيناً آخر يعتبر "ان سقوط الأسد، إذا حصل يؤدّي إلى حرب أهلية في لبنان".
وعندما باشرت اللجان النيابية درس مشاريع قوانين الانتخابات وقد تحولت لكثرتها برج بابل، وجد "التيار الوطني الحر" وحليفه "حزب الله" الفرصة مؤاتية لجعل الخلاف على هذه المشاريع سبباً كافياً لتعطيل اجراء الانتخابات فكانت بداية الخلاف مع مشروع النسبية و13 دائرة بعدما أقره مجلس الوزراء، وعندما تبين انه لن يمر في مجلس النواب كانت المفاجأة الموافقة على مشروع "اللقاء الارثوذكسي" بدعوى انه الوحيد الي يحقق المناصفة في المقاعد النيابية بين المسيحيين والمسلمين. لكن من عارضوا هذا المشروع أبدوا خشيتهم من أن يؤدي تطبيقه إلى تصعيد في الخطاب الطائفي الذي كان العماد عون نفسه قد حذر منه تبريراً لتأييده النسبية. وعندما أيد "تيار المستقبل" مشروع الخمسين دائرة التي اقترحها حزب "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب رفضه "التيار الوطني الحر" مع "حزب الله". وعندما لم تتوصل اللجنة النيابية الفرعية الى اتفاق على مشروع واحد يعرض على الهيئة العامة لمجلس النواب كشف النائب ألان عون عن وجهه معلنا بحدة أمام كاميرات التلفزيون: "نحن نصارح اللبنانيين بأننا في حال لم نتوصل الى قانون جديد، فنحن سنذهب الى أزمة لأن الانتخابات لن تحصل وفق قانون الـ60"…
والسؤال المطروح هو: هل يعتزم الرئيس نبيه بري طرح كل المشاريع المقترحة على التصويت في مجلس النواب كي تحسم الاكثرية الأمر، أم أنه سيتجنب طرحها إذا لم يكن ثمة إجماع أو شبه إجماع حول واحد منها، علماً أن لا شيء يدل حتى الآن على ان ذلك يمكن أن يتحقق. وإذا طرح الرئيس بري على التصويت كل المشاريع ونال احدها الاكثرية المطلوبة، فما العمل إذا أعلنت الأقلية التي رفضته أنها ترفض اجراء الانتخابات على أساسه وقد تعلن المقاطعة. وماذا إذا لم يعد ضيق الوقت يسمح بانتظار الاتفاق على قانون جديد وبات قانون الستين المعمول به هو السبيل الوحيد لإجراء الانتخابات في موعدها وكان موقف من يرفضون هذا القانون يبلغ حد التهديد بالمقاطعة؟ هل يمكن اجراؤها بمن حضر كما حصل في انتخابات 1992 باعتبار أن اجراء الانتخابات وإن وفقاً لقانون سيئ أفضل من عدم إجرائها لأنه الأسوأ؟
الواقع ان قوى 8 آذار لا مصلحة لها في اجراء الانتخابات وفقاً لأي مشروع لأن قوى 14 آذار ستفوز عليها سواء جرت الانتخابات والازمة السورية مستمرة، أو جرت وقد حسمت بسقوط نظام الرئيس الأسد.
فإذا جرت الانتخابات والازمة السورية لم تحسم، فإن قوى 14 آذار سوف تستفيد شعبيا من استمرارها وذلك بتخويف جمهورها من نتائج فوز مرشحي 8 آذار لأن هذا معناه فوز للمحور الإيراني الداعم لسوريا، وهذا من شأنه ان يغير وجه لبنان.
أما اذا حسمت الازمة وسقط النظام السوري قبل موعد الانتخابات ولم يعد هذا النظام ورقة انتخابية تلعب لمصلحة 14 آذار، فإن نتائج الانتخابات لن تكون في مصلحة قوى 8 آذار بل في مصلحة قوى 14 آذار وفي مصلحة المرشحين الوسطيين او المستقلين وتصبح الكلمة الفصل لا لـ8 ولا لـ14 آذار بل للمستقلين عند طرح المشاريع على التصويت.
لذلك فإن قوى 8 آذار ترى في تأجيل الانتخابات مصلحة لها لأنها تضمن بقاء الحكومة الحالية إلى ما شاء الله وينعم وزراء فيها بمزيد من خيرات الدولة أطول مدة ممكنة ما دام الوضع الحالي لا يسمح بتشكيل حكومة جديدة إذا ظل "حزب الله" ومعه "التيار الوطني الحر" معارضاً ذلك بشروطه الصعبة، او اذا ظل النائب وليد جنبلاط مع الاكثرية الحالية حرصاً منه على السلم الاهلي من جهة وخوفا منه على الفراغ من جهة اخرى، في حين ان الاتفاق على قانون جديد للانتخاب يطيّر الحكومة ولا يطيّر الانتخابات ويعيد قوى 8 آذار أقلية. فإلى أين نحن ذاهبون؟