يتساءل العديد من اللبنانيين هذه الايام في سرّهم والعلن عن الاسباب الحقيقية الكامنة وراء توسّع الحركات الاصولية والسلفية وانتشارها في بعض القرى والمناطق اللبنانية بشكل عام، وبين طرابلس وصيدا ومحيطهما بشكل خاص. ويؤكد معظم هؤلاء انهم ليسوا ضد هذه الحركات أو التنظيمات بالمطلق، خصوصاً اذا كان الهدف لا يتعارض في المضمون أو في الاساس مع الشعارات المركزية لهذه القوى.
غير انّ السؤال المركزي الذي يدور في ذهن هؤلاء اللبنانيين يتمحور حول كيفية وصول رياح هذه التيارات الى لبنان… وكيف تغذّت وكبرت، وهل من مستقبل لها في مجتمع كالمجتمع اللبناني التعددي في المَديين المنظور والمتوسط؟
واقعياً لم يعرف لبنان لعقود خَلت ظواهر اسلامية سنية اصولية كالتي يعرفها في هذه الآونة، صحيح ان بعضها كان له حيثية بسيطة في بعض الاماكن الفقيرة والمهملة اساساً من قبل الدولة، مثل بعض الاحياء في باب التبانة في طرابلس او مثلها في صيدا والجوار، غير انّ الصحيح ايضا انه كان للنظام السوري، الذي حكم لبنان منذ العام 1990 وحتى العام 2005، دوراً اساسياً في تكبير دور هذه الجماعات او تصغيره وفقاً للحاجة، وتقويتها ودعمها بطريقة مباشرة احياناً وغير مباشرة احيانا اخرى، كما انه كان لِما يسمّى بتحالف الاقليات في لبنان، أي تحالف "حزب الله" وعون مساهمة لا بأس بها في نموّ هذه الحركات مرّات عديدة عن طريق القصد ومرّات اخرى ربما عن غير قصد، ولكنها في النتيجة أدّت خدمة الى هذه الجماعات وساهمت في نفخ أحجامها. فماذا في أدوار هذا النظام السوري و"حزب الله" والعماد عون المتحدث عنهم؟
اولا: في دور النظام السوري:
1 – ممّا لا شك فيه ان الرئيس السوري بشار الاسد واجهزته الامنية والمخابراتية التي حكمت لبنان فعلياً لعقد ونصف من الزمن ساهمت في توريد بعض هذه الجماعات، ليس الى لبنان فحسب، بل الى العراق والاردن وبعض الدول العربية الاخرى ايضاً بُغية استعمالهم عندما تدعو حاجتها لذلك. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر نموذج مجموعة "شاكر العبسي" وما قامت به من اعمال عدائية تجاه اللبنانيين عموماً وتجاه الدولة اللبنانية خصوصاً ممثلة بالجيش اللبناني وما سمّي في حينها بحرب مخيم "نهر البارد" الشمالي. وكيف كانت أجهزة النظام المذكور تزوّد هؤلاء بالمال والسلاح عبر طرق مختلفة للقيام بالدور المطلوب منهم.
2 – الدور الذي قامت وتقوم به اجهزة الامن السوري في قمع ثورة الشعب السوري عند اندلاعها وعمليات القتل الوحشية التي ارتكبتها بحق المدنيين العزّل في العديد من المناطق، ما استدعى التحاق الكثير من السوريين بالثوار وببعض التيارات المتشددة، ومناصرة القسم الاكبر من سنّة لبنان لهم لاعتقادهم انهم بذلك قد يساهمون او يعجّلون في إسقاط نظام الاسد.
ثانياً: في دور "حزب الله": انّ الدور الذي أدّاه "حزب الله" في تقوية هذه الحركات، ولَو بطريقة غير مباشرة، لا ينفصل عملياً عن دور المحور الذي ينتمي اليه، أي المحور الايراني – السوري، فهو اضافة الى ادواره السلبية ايّام حكم الحريري الابن والتي كانت منسّقة في مجملها مع اركان النظام السوري، فقد كان لأحداث 7 ايار 2008 واحداث منطقتي عائشة بكار وبرج ابي حيدر الصدى السلبي تجاه اهل السنّة والجماعة، والذين يؤلفون العديد الاكبر للمجموعات الاصولية المتحدّث عنها، خصوصاً انّ هذه الاحداث لم تعالج على ارض الواقع بالطريقة التي تؤدي الى شفائها، بل تركت من دون علاج ما ادّى الى تفاقمها وزاد من تشدّد المتضررين منها.
2 – إرسال "حزب الله" بعض مجموعاته للقتال الى جانب النظام السوري تحت حجج مختلفة، تارة للدفاع عن قرى شيعية موجودة داخل الاراضي السورية، وطوراً لمساندة النظام في حرب الشوارع التي يتقنها الحزب اكثر من الجيش النظامي، ما دفع هذه الحركات الى المزيد من رَصّ صفوفها وتكاتف أبنائها داخل لبنان وسوريا لمواجهة ما يمكن ان يطرأ من تطورات ميدانية تحت حجة الدفاع عن النفس.
ثالثاً: في دور العماد عون: ان دور العماد عون لا يعدو كونه دوراً اعلاميا فقط، ويكمن باختصار في النقاط الاساسية التالية:
1 – مساهمته في التهجّم الدائم المستمر على الاعتدال السنّي ممثلاً بتيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري على رغم وجود الاخير القسري في الخارج للاسباب المعروفة.
2 – مهاجمته للتيارات الاصولية الاسلامية (على رغم حلفه المعلن مع "حزب الله") واعتبارها تكفيرية تريد الشرّ بالمجتمع المسيحي بُغية شدّ عصب المسيحيين باتجاه تيّاره وليس باتجاهات اخرى، أي لأسباب مصلحية بحتة.