#adsense

خجَل مسيحي

حجم الخط

أبسط وصف لـ"موقعة" كفرذبيان – فقرا أنّها مسمار إضافي في نعش القيَم المسيحيّة، وطعنة نجلاء في تاريخ المسيحيّين، من جبل لبنان إلى المشرق.

لم يتوقّع أيُّ عاقل أنْ تبلغ حمّى منافسة الموارنة على الإنتخابات ذرى كسروان البيضاء، كي تلطّخها بعارٍ أسود، وتدفع بعشرات الشبّان الأغرار إلى "تقليد" دخيل على البيئة المسيحيّة بوجهيْه القبيحيْن : قطع الطرق والشتم الديني.

هذه "الثقافة" الدخيلة أصبح عمرها 6 سنوات، دشّنها قطّاع الطرق وحارقو الدواليب في 23 كانون الثاني 2007، تنفيذاً للإنقلاب الأوّل الذي أسّس للثاني في 7 أيّار 2008، والثالث (الذي لا يزال ثابتاً!) في مطلع 2011.

غير أنّ الخطورة تكمن في تطوير "تقنيّة" القطع عبر حقنها بمنشّطات الشحن الديني والمذهبي، كي تكتمل مفاعيلها "الحضاريّة"، وتُثمر نتائجها التي تهيّج الغرائز وتدمّر العقول، بعدما كان المسيحيّون رسل نور وقادة رأي.

كانوا بناة جسور، فغرّروا بهم كي يقطعوا جسر فقرا. كانوا أهل ضيافة وصدور رحبة، فحوّلوهم إلى منكمشين "يكرهون الضيف وزوّادته"، وحجَروا على عقولهم البسيطة وقلوبهم الساذجة.

وأسوأ ما في حفلة الجرد الكسرواني، أنّها استدرجت إليها مزايدين آخرين من خارج "أبطالها" المتنافسين من عونيّين وهيكليّين (فريد هيكل)، فانخرط فيها حزب معروف بعقلانيّته واعتداله (الكتائب )، وآخرون من أهل القماشات الهادئة. وكأنّ أصوات الكسروانيّين تحتشد في هذه اللحظة على أبواب أقلام الإقتراع، فمن يحضر السوق يبيع ويشتري!

هل بعد هذا الخجل، مِنْ خجل؟!
نعم، هناك خجل أكبر وأفظع.

بعد ساعات من "الموقعة التاريخيّة"، خرج أحد أبطالها ليلاً، بعدما حيّد نفسه نهاراً، كي يُعلن أقبح تبرير لما جرى: قَطَعْنا الطرق لأنّ الشيخ الأسير شتًم حسن نصرالله ونبيه برّي وقيادات المنطقة (يقصد نفسه).

فلتدفع كسروان إذاً ثمن تحصيل شرف هؤلاء من حساب أبنائها وهدوئها وسياحتها ولقمة عيشها.

وليدفع المسيحيّون، الموارنة تحديداً، ثمن تعويم السياسيّين الغرقى، والتنافس الأرعن على كراسي النيابة والزعامة، وليحرقوا تاريخهم وحضارتهم بخوراً على أقدام الصنم السياسي الضرير.

ما فعله بعض "زعماء" كسروان في فقرا، هو تماماً ما فعله "المشروع المذهبي" بالمسيحيّين عموماً: ورطة مزايدات شعبويّة تحت شعار التمثيل والمناصفة ردّتهم قروناً إلى الوراء.

وما جرى في كفرذبيان هو من بواكير هذا المشروع، ووجه من وجوه احتقاناته ومعازله التي يُنشئها… فالحمد لله أنّه تعثّر وسقط، حصراً للأضرار، وحقناً لدماء الرسالة المسيحيّة.

صحيح أنّ المشروع ترك أضراراً بالغة، وكذلك ذيله في كسروان، وذيوله في مناطق أُخرى، لكنّ شعوراً بالإطمئنان يخالج المسيحيّين العقلاء بسبب فشله مع ذيوله وآثاره. فما حصل له ولذيله الكسرواني ليس نجاحاً ، بل خسارة وتراجع بعد انحسار الغبار، وانهيار الكسب الشعبي الزائل.

ويزداد الإطمئنان مع رصد مواقف وأصوات كسروانيّة وقياديّة مسيحيّية عاقلة ونبيلة، لم تنخرط في بازار المزايدة الإنتخابيّة، بل آثرت الموقف العقلاني المنسجم مع الأساس المسيحي، ولو استأثر سواها بالشعبويّة العابرة.

ولعلّ صمت المراجع الكنسيّة أبلغ وأكثر دويّاً من عقيرة المزايدين. فالكنيسة لا يُمكن أن ترتاح إلى هوَس بعض أبنائها، وخروجهم عن قيمها في الحريّة والمحبّة والانفتاح، ولا تشجّع نشوء إمارات، وتربية الجيل المسيحي على الحذر من الآخر وكرهه والحقد عليه، واستيراد العادات القبيحة.

هناك منْ يحاول مراراً وتكراراً، منذ سنوات، قبل "التفاه…م" وبعده، تشويه الإنفتاح المسيحي والإرشاد الرسولي، وضرب مرتكزات الرسالة المسيحيّة، بجرّ المسيحيّين مع نصف المسلمين ضدّ نصفهم الآخر.

وهم أنفسهم حاولوا تشويه بياض جبال كسروان باسم الدجل المسيحي.
لا المرتكزات تنهدّ، ولا نقاء ثلجنا يسودّ.
وحدها طواياهم السوداء، يطويها الزمن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل