ذهب بعض غلاة الحالمين بعزل انعكاسات الازمة السورية عن معترك الاستحقاق الانتخابي في لبنان، الى الاعتقاد بان اشتداد ازمة قانون الانتخاب يعود الى تحقيق هذا التطلع فعلا، غير ان "صفوة" الازمة التي طفت على سطحها اخيرا تشي بالعكس تماما.
اصيب لبنان السياسي والنيابي بما اصاب المجتمع الدولي حيال الازمة السورية، مع فارق اساسي هو سوء طالع توقيت الاستحقاق اللبناني الزاحف بقوة المهلة القانونية والزمنية.
ذلك ان النقاش السياسي انطلق قبل اشهر على قاعدة سرعان ما راحت تذوي لتحل مكانها قاعدة جديدة. كان منطلق النقاش يستند ضمنا الى سؤال عن اي قانون انتخابي واي اكثرية ستحكم لبنان بعد انهيار النظام السوري، وهو الخط البياني الذي رافق مجريات كل الفترة الممتدة ما بين انطلاق النقاش النيابي والسياسي وتوصل الافرقاء المسيحيين الثلاثة الاساسيين الى تبني "المشروع الارثوذكسي". حتى ان مشروع الحكومة وضع بهدف رئيس حصري هو توفير مستلزمات فوز فريق الاكثرية الراهنة وعمودها الفقري فريق 8 آذار.
لكن هذه القاعدة سقطت من دون اعلان مراسم الدفن حين بدأ النقاش يدور على اي قانون واي اكثرية تحكم لبنان في مرحلة التكيف مع الفوضى السورية المديدة والطويلة. والفارق كبير وهائل في الحسابات التي ستنشأ عن هذه المعادلة لان اولى مفاعيلها من شأنها ان تعيد الروح بقوة الى الاصطفافات العريضة التقليدية ما دام لا حسم قريبا لاتجاهات الازمة السورية ولا حسم مماثلا لاي "استقواء" لبناني من هذا الفريق او ذاك. لذا رأينا السيد حسن نصرالله يطلق دعوة علنية الى اسقاط هذا "الاستقواء" في عز دفعه نحو استقواء من نوع آخر هو تسليط "النسبية" شرطا لاي قانون او لا قانون آخر وربما لا انتخابات، ولو لم يقلها. ولكن السيد نصرالله ليس وحده هنا. اذ ان مصالح كثيرة، حتى في صفوف خصومه، قد تتنامى بقوة نحو معادلة اما قانون توافقي لا يوفر لفريقي 8 آذار و14 آذار الحسم المسبق واما لا انتخابات. وليس غريبا والحال هذه، ان تنفتح الجولة التالية للمعترك الداخلي على شيء غير مألوف وسط هذا الضباب الكثيف الذي يملي بقاء التوازن السلبي راجحا على مجمل المشهد اللبناني بين اكثرية موالية في معظمها للنظام السوري وتخشى غدرات الزمان ولو "مطمئنة" ظرفيا لصمود النظام، ومعارضة مضطرة الى اعادة تصليب صفوفها لمنع خصومها من الافادة من عامل الزمن. وهي معادلة كفيلة بجعل التكيف اللبناني يسقط كل المشاريع الانتخابية "رضائيا" من دون امتلاك اي طرف جوابا عن "يوم الحسم" لمصير الانتخابات.