تتردد في بعض الأروقة الديبلوماسية الغربية معلومات مفادها أن رهان المجتمع الدولي على 14 آذار لتحقيق السيادة انتهى، وأن الأولوية المعطاة من قبل هذا المجتمع في هذه المرحلة هي للاستقرار، ما يتطلب تمكين الكتلة الوسطية نيابياً تجنباً لنيل 8 أو 14 آذار الأكثرية والدخول في أزمة حكم.
تقول المعلومات إن الصورة بالنسبة للمجتمع الدولي واضحة: إبعاد 8 آذار عن السلطة يعني تعريض الأمن للاهتزاز، لأن "حزب الله" متمسك بالمشاركة في الحكومة إلى أبعد الحدود تعطيلاً لأيّ محاولة تطويق سياسية له، فيما إبعاد 14 آذار عن الحكومة يعني إعطاء مفاتيح السلطة لإيران، وبالتالي يجب إيجاد الصيغة التي لا تستفز الحزب ولا تبقيه حراً طليقاً.
وتكشف المعلومات نفسها أن هذا المجتمع كان مع إبقاء قانون الـ60 تلافياً لفتح معركة سياسية من دون أفق من منطلق أن الطرفين لن يسمحا بتمرير مشروع على حساب أيّ منهما، فيما القانون الحالي يعيد إنتاج التوازنات نفسها التي تبقي النائب وليد جنبلاط "بيضة القبان" مع ترجيح توسع الحلقة الوسطية.
وترى المعلومات أن المجتمع الدولي أقرب إلى استبعاد نموذج حكومات ما بعد الدوحة من جهة، ونموذج الحكومة الحالية من جهة أخرى، بمعنى أن المطلوب لاءان: حكومة لا تستفز الحزب بوضعه خارجها، ما يدفعه إلى إسقاطها بقوة الأمر الواقع، وحكومة لا تخولّه الإمساك بمفاصل السلطة، خصوصاً أن موازين القوى الإقليمية أعادت الحزب إلى لحظة اتفاق الدوحة، أي المساكنة لا التفرّد بالحكم.
وتفيد المعلومات أن النظرة إلى الوسطية هي كالآتي: أقرب إلى مبادئ 14 آذار وطروحاتها، فيما تتجنب أي مواجهة جوهرية مع 8 آذار، مع الإشارة إلى أن هامش دورها في العلاقة مع الموالاة تبدل بين لحظة تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي واليوم، والسبب عائد بطبيعة الحال للثورة السورية التي أضعفت الحزب وجعلته في موقع الباحث عن صفقة ومقايضة عوضاً عن فرض المعادلة التي تناسبه، ولكن شرط عدم المساس بسلطته.
وما تقدم يفسر تأييد المجتمع الدولي للحوار وعدم تفهمه للأسباب الكامنة وراء المقاطعة، وما يفسر أيضاً عدم حماسه لمطلب إسقاط الحكومة الميقاتية بالقوّة. وهذا ما يؤشر إلى أن ما ينطبق على مرحلة ما قبل الانتخابات سينسحب إلى ما بعدها، لأن عنوان المرحلة ما زال نفسه: الأولوية للأزمة السورية، وتحييد لبنان عن هذه الأزمة لاجتياز المرحلة الانتقالية بأقل كلفة ممكنة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا التمسك بانتخابات ستعيد انتاج التوازنات نفسها؟ وفي أغلب الظن أن احترام الاستحقاقات الدستورية يعني أن النظام السياسي ما زال، على رغم عوراته، "شغالاً"، فيما تعطيل هذه الاستحقاقات يعني الدخول في أزمة نظام تتطلب مؤتمراً وطنياً برعاية عربية وإقليمية ودولية لمعالجتها، فضلاً عن أن أحداً لا يمكنه التكهن بما ستؤول إليه أعمال هذا المؤتمر والتعديلات التي يمكن أن يدخلها في صلب الدستور، وبالتالي الهدف من التمسك بالمواعيد الدستورية، على رغم عدم احترام نتائجها، تفويت الفرصة أمام القوى التي تريد تغيير النظام السياسي. وهل ستشكل الانتخابات فرصة للتغيير أم لتمديد الوضع الحالي؟ لا شك في أن الأمر يتوقف على أداء الفريق الاستقلالي، إلّا أن التغيير المقصود لا يتعدى الفوز في الانتخابات لإنتاج حكومة حيادية فعلية، لأنّ موازين القوى لا تسمح بعد بحكومة 14 آذارية، فيما حكومة الوحدة الوطنية يجب استبعادها لعدم إعطاء "حزب الله" أيّ غطاء وطني، وبالتالي السعي بجب أن يتركز على أكثرية من دون الوسطيين لقطع الطريق عليهم وعلى "حزب الله" وإبقاء المبادرة بيد الفريق الاستقلالي.
فأهمية حكومة من هذا النوع أنها تستجيب للمعايير الدولية لناحية النأي بلبنان، وتفك الاشتباك بين 8 و14، وتفصل السياسي عن الاقتصادي، إنما الوصول إليها يتطلب فوز المعارضة، كون الموالاة تريد الاستمرار في السلطة، وفوزها يستدعي مفاجأة شعبية يمكن تأمينها إذا ما أحسنت إدارة مواجهتها. ولكن ماذا عن "حزب الله"؟ وهل يسلم بحكومة حيادية؟ وما البدائل في حال امتناعه؟
