كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
في رأي سياسي بارز، فإن تصاعد حدة التجاذب السياسي الدائر حول مشروع قانون الانتخابات الجديد وتعدد المشاريع المطروحة وتناقضها مع بعضها البعض، إنما يعكس بوضوح حدة الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان منذ مدة وتداعياتها السلبية التي تنسحب على مجمل الوضع السياسي، مما يجعل إمكانية التوصل الى تفاهم معقول ومقبول حول أي مشروع كان بين الأطراف السياسيين صعباً ، وقد يكون مستحيلاً في ظل تشبث كل طرف بالمشروع الانتخابي الذي يعتقد أنه يوفر له الفوز وحلفائه بأكبر عدد من المقاعد النيابية، بما يمكنه من الاستئثار بالسلطة كما هي حال «حزب الله» الذي يسعى بكل الطرق الممكنة لفرض القانون الذي يناسب قياسه وتطلعاته والاستمرار بمصادرة قرار الدولة ومقدراتها منذ استيلائه على هذا القرار بترهيب السلاح قبل عامين تقريباً.
فالمواقف المعلنة لكل الأطراف، إن كان خلال اجتماعات اللجنة النيابية أو على المنابر السياسية والاعلامية، تدل بوضوح على عمق الهوة التي تفصل بين كل المشاريع المطروحة، وان كانت بعض المواقف لا تزال قيد التظهير النهائي هي في ضوء ما يطرح من مشاريع قوانين لبعض الأطراف كتيار المستقبل مثلاً، إلا أن ذلك لا يمكن أن يقرب المواقف المتباعدة مع بعضها البعض، باعتبار أن بعض الأطراف وتحديداً التيار العوني قد حسم أمره باعتبار مشروع القانون الأرثوذكسي بمثابة المشروع الوحيد الذي يوفر له حصة الأسد في تركيب المجلس النيابي الجديد، وكل ما عداه من مشاريع مطروحة أو ستطرح لاحقاً محكوم عليها بالفشل المسبق إلا إذا كانت تناسب تطلعات وخطط حليفه المستبد «حزب الله»، وعندها قد يعيد النظر بكل مواقفه مرغماً.
ويقول السياسي البارز أنه إذا طبّقت القاعدة القائلة بضرورة موافقة كل الأطراف السياسيين على مشروع القانون الانتخابي وعدم استثناء أي مكوّن طائفي أو مذهبي من هذه الموافقة كما صرح بذلك رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي وسواهما من القادة السياسيين والحزبيين على حدٍّ سواء، فهذا يعني أن هناك استحالة كاملة بالتوصل إلى إقرار مشروع قانون انتخابات جديد إذا بقي كل طرف متشبثاً بمواقفه ومشروعه الانتخابي المتعارض مع المشاريع الانتخابية للأطراف الآخرين، ويعني كذلك أن كل اللقاءات والاجتماعات الجارية تحت هذا العنوان لن تتمكن من الاتفاق على مشروع توافقي موحد يجمع حوله كل الأطراف بدون استثناء، وهي بالتالي ليست إلا لتقطيع مزيد من الوقت بانتظار حلول موعد الانتخابات المرتقبة مطلع الصيف المقبل، وعندها سيجد جميع الأطراف أنفسهم أمام خوض هذه الانتخابات النيابية إستناداً إلى القانون السائد عملياً وهو قانون الستين بالرغم من كثرة المآخذ المعلنة بخصوصه من أكثر من طرف، في حين أن جنوح البعض لتأجيل الانتخابات إذا لم يتم الاتفاق على قانون جديد، يبقى من باب التهويل على الآخرين ومحاولة لفرض إقرار القانون الذي يؤمّن مصالحه، بينما تبقى مسألة التأجيل تخضع لحسابات تفوق قدرة الأطراف الملوّحين بهذا التأجيل.
ومن وجهة نظر السياسي المذكور فإنه لا توجد مؤشرات مشجعة حتى اليوم توحي بالاستعداد للتوصل إلى اتفاق مشترك بين كل الأطراف أو للتمهيد لذلك، ومن دون توافر النوايا الطيبة والمواقف الاستباقية الانفتاحية، تبقى كل الحركة القائمة بهذا الاتجاه بلا بركة بالرغم من كثرة الضجيج السياسي والمواقف المرتفعة السقف من وقت لآخر، وقد يكون سبب هذه المراوحة، تريّث معظم الأطراف وتحديداً «حزب الله» وحلفائه بالتقدم ولو خطوة واحدة باتجاه خصومهم السياسيين تمهيداً للاتفاق على قانون جديد للانتخابات، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع المتردية في سوريا، كون استمرار النظام السوري موجوداً في سدّة السلطة بسوريا يشكل عامل قوة للحزب وحلفائه وبالتالي لا داعي للتنازل، بل على عكس ذلك تماماً، يتم تجاهل كل مؤثرات الثورة السورية وكأنها غير موجودة في محاولة لفرض قانون انتخابي جديد يمكّن حلفاء النظام السوري من الامساك بالواقع السياسي والسلطوي ويناسب مصالحهم، في حين لا تنطلي هذه الوقائع على خصومهم السياسيين الذين يرفضون الموافقة على أي مشروع يخفي في طياته الاستقواء بسطوة سلاح «حزب الله» على الآخرين ويعتبرون أن وجود هذا السلاح يشكل العائق الأساسي أمام الاتفاق على مشروع قانون انتخابي مثالي يؤمّن حسن التمثيل ويحقق العدالة بين كل اللبنانيين ولا بد من معالجة وجوده وإيجاد حل له قبل ولوج ذلك.
وفي إعتقاد السياسي البارز فإن التوصل إلى اتفاق حول مشروع قانون انتخابي يرضي الجميع ويبدد هواجس معظم الأطراف، لا يبدو متوافراً في الوقت الحاضر، لأن إقراره مرتبط بحل الأزمة السياسية القائمة في البلاد وبدون وجود مثل هذه الحلحلة التي تبدو صعبة في المرحلة الحالية بسبب إمساك «حزب الله وحلفائه بمقاليد السلطة بالقوة، يستحيل تحقيق أي تقدم إيجابي مهما تعددت المشاريع المطروحة من هنا وهناك.
ولذلك، لا بد من إيجاد أرضية ملائمة لتبديد مؤثرات الأزمة السياسية القائمة حالياً،و تحقيق تقارب بين مختلف الأطراف السياسيين، وعندها يمكن ولوج البحث في مشروع انتخابات توافقي مثالي يعبر عن تطلعات معظم اللبنانيين ويحقق أمانيهم في انتخاب مجلس نيابي يخرج الحياة السياسية من مأزقها القائم باتجاهات أكثر انفتاحاً وتفاؤلاً، وهذا لا يدو أنه متوفر في ظل الظروف القائمة محلياً واقليمياً حتى الساعة.