حين يعود اهل بريح قريبا سيكون لتلك الضيعة الشوفية تاريخ اخر. لا شك في انه تاريخ يختلف عن 21 اب 1977، تاريخ التهجير الاول من بريح.
اليوم، بدأت مراحل العودة تكتمل: ازيل "بيت الضيعة"، تكثفت اجتماعات المصالحات، وضعت اللمسات الاولى لملفات التعويضات ولبرنامج زيارات ثلاث، ستكون لرئيس الجمهورية ميشال سليمان والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
هذا البرنامج يتحدد بالتنسيق ما بين وزارة المهجرين ولجنتي المقيمين والعائدين، وينطلق وزير المهجرين علاء الدين ترو من قوله: "ملف بريح هو آخر المصالحات. اليوم، لا عائق امام المصالحة"، شاكرا للمقيمين "هدم بيت الضيعة".
ويشرح لـ"النهار" ان " ما ينقص اليوم هو تكوين الملف والبدء بإنهاء المواضيع العملية، من اخلاء للاراضي الزراعية وتعويض الضحايا من الطرفين وبناء الكنائس".
ولكن، ابعد من كل هذه التحضيرات التقنية، سؤال جوهري: هل يعود المسيحي الى بريح؟ وبعد خطوة ازالة "بيت الضيعة" التي اعتبرت مبادرة حسن نية من الجانب الدرزي، ما هي مسؤوليات المسيحيين في هذا المجال وكيف سيبنون ضيعتهم من جديد… ام انهم سيتركونها للفراغ في مرحلة اولى، على ان يأتي يوما ما من هذا الفراغ.
واذا كانت تحديات العودة لا ترتبط فقط بالمسيحي، فإن جولة قصيرة في بريح، تظهر ان عددا كبيرا من المقومات لا تزال ناقصة: المياه عادت قبل نحو عام، الطرق بحاجة إلى الكثير من التأهيل والتعبيد، لا سيما طريقا الفوارة وكفرنبرخ السيئتان، وغير ذلك الكثير من الامور الملحّة والحيوية لعودة الحياة الطبيعية.
ولكن اذا كان الاهالي هم من يساهمون في انهاض الضيعة على هذه المستويات لا العكس، فان الكرة تعود مجددا الى ملعب المسيحيين والدروز معا.
عودة مسيحية؟
في الجانب المسيحي، يبدو الحماس للعودة شديداً. يتوقف بولس خليل، وهو ممن تركوا الضيعة منذ اعوام التهجير السوداء، عند المبادرة التي قام بها النائب وليد جنبلاط في ازالة اي عائق نفسي او معنوي امام العودة، وفي حضّ المسيحيين على العودة الى أراضيهم. يقول: "طبعا سأعود. واعتقد ان عودة قلة من الاهالي في البدء يمكن ان تشجع تباعا على العودة الاكبر. المهم ان التصميم والارادة متوافرتان".
لا يخفي خليل ان ثمة تفاصيل لا تزال تحتاج الى اجوبة، ومنها قضية الشابين الذين خطفا في بريح، فضلا عن ملف التعويضات وقيمتها…
اللافت ان خليل هو الذي تعرّض لكمين في العام 1982، اي يوم التهجير الثاني والنهائي من بريح، اذ اثار هذا الكمين يومذاك الكثير من الغضب والخوف عند قسم كبير من المسيحيين، فما كان من الشابين جورج الياس لحود وحسون امين حسون إلا التوجه مباشرة الى بريح للاستفسار عما حصل، فكان ان خطفا على طريق كفرحيم. هذه هي قصة المخطوفين والتي لا تزال تنتظر بعض "النية الحسنة" من جانب المسؤولين والمعنيين لاعلان مصير هذين الشابين واراحة عائلتيهما.
تلك القصة وان يكن طواها الزمن بفعل الاعوام الثلاثين التي مضت، الا انه ينقصها، وفق عدد من مسيحيي بريح، بعض التفاصيل العلنية بهدف بلسمة الجراح نهائيا. هذا الامر تعمل عليه بجهد لجنتا العائدين والمقيمين في الوقت عينه، وهذا ما سيظهر تباعا، مواكبة لملف المصالحة الشامل.
من هنا، يعارض منسق "لجنة العائدين" كريم لحود " الاصوات التي تصدر ما بين الحين والاخر ومن داخل بريح نفسها، وعبر تسميات غريبة – عجيبة، ولجان "تفرّخ" يمينا ويسارا تطالب بمعرفة مصير المخطوفين، كلها عوامل لا تساعد على مصالحة ولا على عودة. وهذه المواقف ليست سوى مزايدات، لان العمل الجاد والمسؤول لا يكون على هذا النحو".
ويلاقيه خليل ايضا في رفضه "هذا التصرف من خلال استغلال صور المخطوفين وطبعهم على ورق، واللعب على الوتر الطائفي"، مشددا على رفضه "هذه الاشكال لانها لا تساهم ابدا في تأمين عودة حقيقية وسليمة".
وفيما يؤكد لحود ان "المسيحي سيعود الى بريح، والاشهر المقبلة ستظهر ذلك"، يتحدث خليل عن "حلم راودنا منذ مرة وهو حلم العودة. طبعا، لا مشكلة عندنا في الانفتاح والعيش المشترك، ومثلما كنا نعيش قبل التهجير سنعود".
المرة الاولى التي عاد فيها خليل الى بريح بعد التهجير، كانت خلال انتخابات 2005. يومذاك، كانت الزيارة "وصلة رجعة" بهدف الاقتراع. ويومذاك ايضا تغيّرت بريح كثيرا امام ابنها الذي تركها في عزّ الحرب والدمار عام 1982.
اليوم، لا يغيّر هذا المشهد المأسوي في قلب خليل اي حنين الى العودة، ويجزم قائلا: "السؤال: ولماذا لا اعود؟ ضيعتي عادت، ولا مبرر يمنعني".
على مقلب الدروز، ترحيب واشادة وعمل من اجل اكمال التعويضات، اذ لاقى دروز بريح خطوة "زعيمهم" وليد جنبلاط في ازالة "بيت الضيعة"، فالترحيب والمحبة والتركيز على العيش معا هي السمات الاساس في خطاب دروز بريح اليوم.
منسق "لجنة المقيمين" جميل العلي ينطلق من ان "بيت الضيعة شكلّ مخالفة منذ ايام الحرب، وبالتالي فان هدمه اليوم وتشييد بيت اخر كان خطوة طبيعية، لئلا يبقى امام المصالحة اي عائق".
منذ 1994، بدأ العمل الجاد لانهاء معضلة "بيت الضيعة". استهلكت القضية كل هذه الاعوام، ربما لانضاج النفوس قبل الظروف. والعلي المقيم الدائم في بريح يتمنى ان تكون عودة المسيحيين قريبة وسريعة، "كي نعمل معا من اجل انهاض الضيعة التي ينقصها الكثير".
اما المواطن زاهر يحيى فيشير الى ان "جرح بريح كان كبيرا، والشهداء سقطوا من الطرفين، لذلك، فان اللحمة ينبغي ان تعود من الطرفين معا".
60 عاما الى الوراء
قبل التهجير، كانت بريح مصيفا للأرمن، وكانت تضم نحو خمس مدارس، فيما كانت اعوام التهجير ثقيلة جدا على انماء الضيعة. يعلّق يحيى: "التهجير اعاد الضيعة الى الوراء 60 عاما، وليس فقط 30 عاما. ولم يكن المسيحي الوحيد الذي تهجر، اذ ان الدروز نزحوا ايضا وتركوا ضيعتهم بفعل الواقع السيء بسبب انعدام البنى التحتية. النتيجة ان ثلثي الضيعة تهجرّت، وثلث الذين بقوا غادروها".
هذا الواقع "أشاخ" الضيعة بلا شك، وباتت المشكلة الاجتماعية ليست فقط عند المسيحي انما عند الدرزي ايضا، تماما كما مشكلة زيادة التعويضات التي تجمع الاثنين. فالمسيحي يريد ان يعمرّ والدرزي يريد ان يخلي حتى يرمم بيته او يعمرّه.
وبعد… ماذا الان بعد ازالة "بيت الضيعة"؟
يقول ابن بريح رفيق ابو فخر: "اذا المسيحي لم يعد، فان المصالحة لا تعنينا، وكأنها لم تكن"، ويتوقع انه "بعد نحو شهرين سيتم تدشين بيت الضيعة الجديد ووضع الحجر الاساس لكنيستي مار جرجس ومار الياس في لقاء يشارك فيه سليمان والراعي وجنبلاط".
وحتى ذلك الوقت، يكون بروتوكول رسمي وقع من المقيمين والعائدين واستكملت ملفات هؤلاء جميعاً معا، بعدما سبق ووقع بروتوكول في صيف 2010 في قصر بيت الدين، والذي اعتبر يومذاك خارطة للمصالحة التي ترجمت في مطلع السنة الحالية.
وبريح التي تبعد 50 كلم عن العاصمة، لا تزال حتى اللحظة تنتظر اهلها، وتنتظر الكثير من العمل، وربما التحدي الاول سيكون تأليف مجلس بلدي بعد المصالحة، يضع خطة وبرنامج اولويات تنموية واجتماعية.
اما على الصعيد الرسمي، فلا تزال وزارة المهجرين تنتظر تسلّم اللوائح من المقيمين والعائدين من اجل تحديد الكلفة المالية للمصالحة، ورفعها الى رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي لصرف الاعتمادات.
اما عن المطالبات بزيادة المبلغ عن 30 مليون ليرة، فيجيب وزير المهجرين علاء الدين ترو: "القانون يحتاج الى تعديل في مجلس النواب. نحن سندفع لكل وحدة سكنية، اصلاً وفرعين، اي ما يوازي 90 مليون ليرة، وذلك توازنا مع التعويضات الاخرى".
ويلفت الى ان "لا مشاكل او اعتراضات، ونحن نسعى الى تذليلها وفق القوانين والقدرات المالية"، مشيرا الى ان "مصالحة بريح موضع اهتمام كل المسؤولين، ولا اعتقد انه سيكون هناك اي تأخير في دفع الاموال".
واذا كان يمكن اعتبار ازالة "بيت الضيعة" بمثابة ترجمة لعبارة " اهلا وسهلا" للمسيحي، فان الاخير مدعو، قبل غيره، الى العودة الحقيقية بدل التلّطي وراء اسباب لن تؤدي الا الى خسارة الارض … فالانتماء. عندها، لن تقع الخسارة عليه فقط ، وانما الاخطر ستكون على اولاده.