إجلاء روسيا الاتحادية أخيراً زهاء 80 من مواطنيها المقيمين في سوريا أثار شعورين متناقضين عند اللبنانيين. الاول، الارتياح الحذر. والآخر القلق والخوف. وسبب الشعورين واحد هو الاعتقاد ان المسؤولين في موسكو ما كانوا ليقدموا على الإجلاء لولا اقتناعهم بأن تطور الاوضاع في سوريا يسير في غير مصلحة النظام. طبعاً ادرك هؤلاء انعكاسات الإجلاء على السوريين وعلى غيرهم، ولذلك سارع العاملون في "الوزارة الروسية للأوضاع الطارئة" الى دعوة الجميع الى عدم تضخيم الإجلاء والمبالغة في اسبابه وفي انعكاساته على سوريا وعلى سياسة روسيا حيالها. وأوضحت ان آمال البعض في تزحزح الرئيس فلاديمير بوتين عن "موقفه السوري" المتشدد لا تستند الى معطيات ثابتة. وأكدت انه من غير المحتمل ان تُغيِّره روسيا على الاقل في المستقبل المنظور لأن مصالحها في سوريا ليست فقط عسكرية واستراتيجية، بل هي ايضاً تجارية وثقافية.
هل يمكن شرح المصالح المذكورة تفصيلاً؟
يمكن ذلك، تجيب عاملة في مركز ابحاث اميركي عريق لها خبرة واسعة في الشؤون الروسية. وتبدأ بشرح المصالح الثقافية فتقول ان روسيا اعتبرت سوريا الاسد الحليف الأقرب اليها في العالم العربي منذ أكثر من اربعة عقود. فأثناء "الحرب الباردة" مع اميركا انتقل روس كثيرون الى سوريا، كما انتقل سوريون كثيرون الى روسيا للدراسة الجامعية. وحصلت زيجات مختلطة بين مواطنين من الدولتين. وسعت روسيا الى الافادة من دراسة السوريين في جامعاتها لكي تستطيع الاعتماد عليهم لاحقاً. وبسبب كون سوريا في حينه عاملاً مهماً في السياسة الروسية الشرق الاوسطية، كانت وسائل الإعلام في روسيا تصف السوريين بـ"الحلفاء والأصدقاء". وعندما بدأت الانتفاضة السورية في آذار 2011 كان في سوريا قرابة مئة الف مقيم روسي. وبسبب تأييد موسكو لنظام الأسد استهدف الثوار عدداً من هؤلاء المقيمين. وقد ساعدت هذه الحوادث على زيادة الازدراء الشعبي للقوات المناهضة للاسد.
وتصل الباحثة الاميركية إياها الى المصالح التجارية فتقول ان سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي ونظامه ساهم في تكوين عناد الرئيس بوتين حيال الاوضاع السورية. ذلك ان روسيا خسرت استناداً الى وسائل إعلامها نحو اربعة مليارات دولار اميركي هي قيمة عقود اسلحة موقّعة مع القذافي. وهي تريد تلافي تكرار ذلك مع سوريا. فالاخيرة تُعتَبر "مُستهلِكة" للسلاح الروسي على تنوعه من زمان. وقد زادت تجارة الاسلحة بين دمشق وموسكو منذ وصول الاسد وبوتين الى السلطة عام 2000. واستناداً الى "مؤسسة ابحاث استوكهولم للسلام الدولي" زوَّدت روسيا سوريا ما يقارب الـ78 في المئة من حاجتها الى السلاح بين 2007 و2012. وبين 2007 و2010 بلغت قيمة المبيعات الروسية من الاسلحة الى سوريا اربعة مليارات وسبعمائة مليون دولار اميركي. وفي مجالات اخرى، تقول الباحثة الاميركية اياها، وظّفت الشركات الروسية حوالى 20 مليار دولار اميركي في سوريا منذ عام 2009. وإذا خسر الاسد السلطة فان روسيا ستخسر عقود الاسلحة وتوظيفاتها والاستثمارات. وتقول ايضاً انه يجب عدم إغفال القروض الكبيرة الروسية للأسد. فاستناداً الى "بيانات" رحلات جوية حصلت عليها وسيلة إعلام روسية شحنت موسكو في صيف الـ2011 أكثر من مئتي طن من "اوراق البنكنوت" (اموال) للنظام السوري. وربما بسبب هذه الشحنات نجح الاسد في تفادي الافلاس وفي مواصلة وضع الرواتب لقواته، وخصوصاً بعدما بدأ الاحتياط من النقد الاجنبي الصعب لسوريا في التضاؤل".
ماذا عن المصالح العسكرية الروسية في سوريا الاسد؟
عن ذلك تجيب الباحثة الاميركية اياها فتقول ان بوتين جعل من توسيع القوة البحرية لبلاده هدفاً مركزياً لولايته الثالثة. وقد اعلن ذلك في اثناء الاحتفال بانجاز الغواصات الروسية الحديثة الاولى منذ عام 1991. وسقوط الاسد سيعني خسارة روسيا القاعدة العسكرية البحرية الوحيدة خارج اراضيها المسماة مركز التزويد البحري. ومركزها بحر مدينة طرطوس. في الوقت نفسه تقريباً أعلن وزير الدفاع الروسي عن تدريبات (او مناورات) عسكرية في المتوسط معتبراً اياها "الاكبر في تاريخ" بلاده. طبعاً لم تربط روسيا بين المناورات والصراع في سوريا. لكن المحللين الغربيين يجب أن يعتبروا ذلك اشارة الى ان روسيا لا تنوي التراجع عن دعم الاسد.
ماذا عن المصالح الاستراتيجية الروسية في سوريا؟