#adsense

فليكن مجلساً ملياً وكفى!

حجم الخط

لا تزال الجمهورية اللبنانية، حتى اشعار آخر، دولة مدنية ولو بنظام طائفي، يسوسها دستور الطائف المدني الذي يقول بفصل السلطات السياسية وتعاونها، وينيط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء. وتبعا لذلك لا مكان في هذه الدولة لفتاوى دينية او تكليفات شرعية او تحريمات، سواء صدرت عن مراجع دينية محمدية او مسيحية.

عند هذا الاطار المبدئي والعملي يفترض ان تنتهي الفتوى الصادمة التي اعلنها مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني في شأن الزواج المدني، ولو ان موقفه الرافض لهذا الاتجاه معروف ولا يفاجئ احدا. اما الذهاب نحو تكفير "الاستبليشمنت" السياسي السني برمته، فيضع المفتي نفسه في مواجهة الطبقة السياسية السنية برمتها بدءا برئاسة الحكومة.

ولعلها سابقة خطرة لا في المضمون الصادم العنيف للفتوى فحسب بل في "القيادة الدينية" المفترضة للسلطات السياسية مما يستوجب اولا رد هذه السلطات وتوضيح موقفها من "خطر" التساهل معها. الامر هنا يتجاوز هذا العامل، واحترام المرجعيات الدينية لا يعني التساهل مع استهداف الطائف نفسه.

ثم ان حرية اتخاذ اي موقف من الزواج المدني وسواه من توجهات مدنية وعلمانية، تقف حدودها تماما عند الطابع المدني للدولة وتكوينها وتركيبتها الدستورية. لا نخوض هنا جدلا محسوما اصلا في استحالة تشريع الزواج المدني ما دامت الطبقة السياسية تخضع للمزايدات او تجد مصالحها في كل شيء يبعد لبنان عن مناخ علماني صحي وشفائي. فالمسألة باتت تتصل بخطورة تقويض هذه البقايا الباقية من دولة مدنية تهتز وتترنح تحت رفع وتيرة كل شيء طائفي ومذهبي في السياسة كما في الدين بما ينذر بالانجراف نحو نظام تيوقراطي.

ولنتصور مثلا ان يعلن مجلس النواب أُمّ المؤسسات الدستورية اللبنانية، دفن قانون الستين تحت وطأة ثلاثة تحريمات: تحريم كنسي، وفتوى سنية، وتكليف شرعي شيعي. فماذا يبقى من "مجلس النواب" غير مجلس ملي؟
ترانا في هذا المناخ العابق بالتعبئة والتحشيد الطائفي والمذهبي امام سباق غريب خطير بين اشعال المخاوف الطوائفية في ملف قانون الانتخاب الى حد تسويغ تأجيل الانتخابات وجعله الخيار الارحم للبلاد، واستحداث اعراف وظواهر دينية تطغى على الحريات والدستور والقوانين كما في ملف الزواج المدني.

لعل اسوأ ما يضرب لبنان في هذا السياق، هو انه يبدو ملتحقا بالجانب القاتم المظلم من ربيع عربي يحمل في عواصفه تعويم ظواهر التطرف، فيما الجانب المشرق المتصل بثورة الحريات والذي فجره ربيع لبناني ذات يوم يكاد يسحق تماما من دون دفاعات او مدافعين. اما المجتمع المدني فحسبه الاكتفاء بمواقع الاتصال الاجتماعي التي تبيح الثرثرة فقط.

المصدر:
النهار

خبر عاجل