الاضطهاد ليس بلعنة، والظلم يزيد العزيمة عند المناضلين، والموت رحلة نحو الحرية عند الشهداء… ولكن أقزع الطعنات التي يتعرض لها هؤلاء حين يحلو لبعض السماسرة أن يتاجروا بقدسية الشهادة، فيغدقونها على من لا يستحقون ان يدخلوا تحت عتبة البطولة…
ثمة مفاهيم بشرية ومصطلحات تعود الى زمن قيام المجتمعات الانسانية، ومنها مفهوم الشهادة أي الموت في سبيل قضية أو إقتناع أكان في خضم مواجهة أو في ساحة معركة أو حتى عبر الاغتيال بسبب هذه القضية. وكما أن العلمانيين كالاكليروس في الكنيسة قد يبلغون القداسة، فيكونون سواسية فيها من حيث الفضائل والنعم، ولكن العلماني يبقى علمانياً والاكليروس إكليروس ولا أفضلية لأحدهم على الآخر إلا بمقدار عيشه المحبة وتسليمه الكلي للرب، كذلك المناضلون والشهداء فمنديلا وغيفارا وذاك الشاب في ساحة تياننمين جميعهم دخلوا سجل الخلود…
هذه الكلمات ليست بعظة أو فلسفة إنها بكل بساطة صفعة مؤجلة بوجه من يتاجر بقدسية الشهادة. فبالامس، أطل رئيس نواب كسروان ميشال عون بكل ذمية ليشكر الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله لـ"تدخله ومساهمته بدرجة عالية لإخماد نتائج حادثة وطى الجوز"، وتمنى من الله أن يرحم "الشهيدين" اللذين سقطا!!!
نعم، قتيلان مأسوف على وفاتهما بالطبع أصبحا شهيدين، فعون ليس فقط متخصصاً بتوزيع "شهادات حسن سلوك"، بل بمنح "أوسمة الشهادة" أيضاً… لقد اصبح صورة مستنسخة عن "حزب الله" في هذا الاطار، ولكن مع مزيد من التشوهات. فـ"الحزب" كل فترة يزفّ لنا "شهيداً مجاهداً" ليتبين في بعض الاحيان أنه قضى على فراشه أو في حادث سير أو حتى خلال مداهمة القوى الامنية له وهو يرتكب أفعالاً جرمية… كلهم شهداء، ربما قد يكونون مناضلين، ولكن عند "الحزب" "كلهم شهداء"… وهذه هي حال عون، يطوب قتيلين في حادث فردي "شهيدين"!!!
"حزب الله" قد يصف بعض افراده بالشهداء لأسباب شعبوية ولدغدغة مشاعر أهلهم، وآخرهم فواز عبد النايف الجمل الملقب بجواد الذي شيع في الرويسات في 20-1-2013 بعدما فضى في حادث سير، ورفع "الحزب" صورا له كتب عليها "الشهيد المجاهد جواد". وهذا بالطبع مرفوض أخلاقياً لأنه يمس بمعنى الشهادة. ولكن عون قد يصف بعضهم بالشهداء لتشويه معنى الشهادة ولأنه يغار من الشهداء. نعم، يغار منهم. فبطولتهم دفعت بهم حد الموت فيما جبنه دفع به الى الهريبة في 13 تشرين الى السفارة الفرنسية في الحازمية… وشجاعتهم جعلتهم يواجهون باللحم الحي أحياناً اعداءهم، فيما خوفه جعله أسير مقره المزنر بالدشم يومها، وإن أراد تفقد جبهة في أيام السلم فكان يستقل عربات مصفّحة… تضحيتهم رسمتهم كهنة في معبد الزهد، فيما الـ"أنا" والطمع المزمن بذاك الكرسي في قصر بعبدا حولاه الى عبد ذليل…
فعذراً شهداؤنا، أنتم الأيقوانات الحية أبداً في الوجدان… وعذراً من كل شهيد غمره يوماً تراب هذه الأرض…
نحن قوم لا نخلط بين المناضلين والشهداء ونكرمهم سوياً… نحن قوم لا ننكرر نعمة الشهادة على الاخصام قبل الحلفاء، فنحن مع الأخصام أخصام شرفاء ومع الحلفاء حلفاء شرفاء… فهادي حسن نصرالله بالطبع شهيد بنظرنا كونه سقط في مواجهة محتل، لكن قائد القوة الخاصة التابع لـ"حزب الله" المدعو إبراهيم عيتاوي الذي قتل في الاعتداء على الشويفات وفلول "الحزب" الذين قتلوا في غزوة 7 أيار بالطبع لا ولن يكونوا يوماً شهداء… وكذلك قتيلا حادثة وطى الجوز من آل سيف الدين اللذين كانا ينهلان بالضرب على بيار نخول ليسا بشهيدين ولن يكونا يا جنرال "الذمية"…
فعذراً أيها الشهداء… إنها لعنة عون.