#adsense

حتى الشهادة صارت ميّتة؟!! (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

أقف الى برّ الحياة أكتب باسمهم. الشهداء. يا اغنية الحلم، يا انشودة المطر والشجر والزهر واللون والانسان. أيها الحبّ المكلل بالحب، كيف لقلب أن يغمر كل هذا الضياء؟ أذكر يوم أراد أحدهم في ذاك الايلول الماضي، زيارة ساكني سيدة ايليج. لم ينتفض أهل الشهداء يومها، لم تكن تلك ثورتهم، كانت روح الشهداء التي انتفضت في حناياهم، على من حوّل الشهادة الى مصطلح مشترك يلبسه الاهاربي والشهيد الحقيقي في آن واحد، وبحسب ما تقضي الحاجة!!

ليس بالضرورة أن يتكلم الشهيد ليعلن رفضه، ليس من الضروري أن يتكلّم لنسمعه. من يتبع الدرب، دربهم، يسمع الصوت. صوتهم أجراس ضميرنا وحبّنا تقرع بمناسبة وغير مناسبة، وعندما تشعر بلهب الخطر المستعر، تبدأ بالطنطنة وكأنها أجراس في كنيسة ضيعة بعيدة، تقرع عندما يهدد حريق أحد جبالها، أو عندما تأخذ الى جوارها شهيد آخر في عزّ الحياة…

أيها الشهيد النائم على رجاء القيامة، أخجل من الزهر الذي يزيّن قبر الحب الذي تتدثّر به. أخجل النظر الى صورك المبتسمة فوق شفاه لبنان. أخجل تلمّس ذكراك عندما اقرأ حكاية عمرك. هذا استشهد في زحلة، ذاك في الاشرفية، ذلك في عين الرمانة، اولئك في عيون السيمان، آخر في صندوق سيارة لانه مناضل، ذاك في انفجار حاقد و… و… وكل ذاك الرحيل الجماعي المدوّي الهادر، لنبقى نحن ويبقى لبنان … وأيضا ليأتي فيما يسمى بآخر الازمنة، من يساوي الشهيد بالقاتل والضحية بالجلاد، فكيف ننظر اليكم بعد؟! واذا فعلنا ماذا نقول؟ ماذا نخبركم؟ عمن؟ عن أي لبنان؟ عمن يضع الورد المبلول بالدمع على القبر، أم عمن يقتحم القبر ليحوّله الى مزراب مفتوح لمطر التجاهل والنسيان والذل؟ الذل. نخبركم عن أم تفخر، رغم الوجع الذي لا يضاهيه وجع بأنها "ام الشهيد"، ام عمن جعل من القاتل وقاطع الطريق والارهابي والسارق والمغتصب "شهيدا" بمناسبة وغير مناسبة، وعلّق صورهم على حيطان المدينة، وزيّنها بأوسمة الفخر والنصر وأفتى فتواه "هذا هو شهيد الوطن ولا شهيد سواه فانحنوا له ولاجله"!

هل نجرؤ بعد كل ذلك أن نسميكم "شهداء"؟! هل يحق لنا بذلك؟! تساويتم بحكم القوي المتسلّط غير العادل، تساويتم مع "القتيل" فكيف نخاطبكم؟ كيف نبكيكم؟ كيف نتذكّركم؟ ماذا نطلق عليكم من أسماء؟ أسقطوا عنكم حق الشهادة، وكبرياء المقاومة، وفخر الموت من أجل الوطن، ووجع الفراق عن أهل الارض لتتحولوا الى سماد الارض وعطرها وشتائها وربيعها… فماذا نسمّيكم؟ ماذا نسمّي اولئك الذين تعدّوا حتى على التسمية؟

الى قبر شهيد أقف، أحمل الوردة الحمراء، اُضيء شمعة وأتلو صلاة عن روحي! عن روحي وأرواحنا جميعا نحن المحاصَرين في سجن الانسان، أصلي عن أرواحنا التائهة الضالة عن الحق، أصلي لاجل عيون لا ترى الحقيقة الا من عيون الظلام والظلامة، لاجل وطن يتناسى سر بقائه حيا، يدفن الشهيد خلف الشهيد وعندما يغمرهم بالتراب يصبح الشهيد ميتا! أصلي كي لا أرى قافلتين، واحدة أسير خلفها لنعوش بيضاء جديدة، استشهد قاطنوها فداء عن وطن جاحد، واخرى أزيح عنها لنعوش طمروا قاطنيها بالشهادة، ليخفوا عنا حقيقة موت الحقيقة، وعمق الوقاحة والفجور في وطن حوّل بعضهم الكرامة فيه، الى صخرة منسية فوق قبر فارغ واعتنقوا عفن القبور…
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل