ستانلي فيشر، حاكم المصرف المركزي الاسرائيلي، سيستقيل من منصبه في آخر حزيران المقبل بعد انقضاء نصف ولايته الثانية البالغة مدتها خمس سنوات. واعتبرت هذه الخطوة معبّرة عن تبرمه من السياسات الاجتماعية التي اتبعتها حكومة نتنياهو والتي ساهمت في توسع الشكوى من الاداء الاقتصادي وتباطؤ معدلات النمو وارتفاع نسبة التضخم كما نسبة العجز في الدخل القومي.
خلفية فيشر كانت اكاديمية. فهو درس الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واشرف على اطروحة حاكم المصرف المركزي الاميركي الحالي بن برنانكي، وتولى قبل انتقاله الى حاكمية المصرف المركزي في اسرائيل، نيابة رئاسة صندوق النقد الدولي.
عندما تسببت عبثية دومينيك ستروس – كان، وزير المال الفرنسي السابق الذي تولى رئاسة صندوق النقد الدولي، بإقالته من منصبه منذ وقت قريب نسبياً، طرحت اسرائيل اسم فيشر لقيادة صندوق النقد الدولي، لكن الخيار وقع على كريستين لاغارد، وزيرة المال الفرنسية السابقة ايام الرئيس نيكولا ساركوزي. ومن المعلوم ان فرنسيين تولوا رئاسة صندوق النقد الدولي منذ تأسيسه وقد برهنوا جميعاً عن قدرات رسخت التوجه إليهم للقيام بهذه المهمة، وتصرف ستروس – كان الاحمق كاد يطيح هذا الإرث.
لقد رأى كثيرون من المصرفيين وحكام المصارف المركزية في البلدان الصناعية، ان ستانلي فيشر ساهم في منع انزلاق اسرائيل نحو الانكماش نتيجة الازمة المالية العالمية التي توسعت آثارها منذ خريف 2008 ولا تزال سارية الى حد ما، وحاكم مصرف بريطانيا الذي قارب نهاية ولايته اعتبر استقالة فيشر بمثابة خسارة لاسرائيل وعمل المصارف المركزية الرئيسية.
السؤال، لماذا هذا الاطراء وماذا فعل الرجل؟
لقد اختار فيشر منذ عام 2009 توسيع دور المصرف المركزي الإسرائيلي لكي يصبح المؤسسة الرئيسية الدافعة للنمو مع السعي الى المحافظة على ثبات الاسعار، وهذا الهدف الرئيسي للمصارف المركزية.
استطاعت اسرائيل منذ عام 2009 وحتى نهاية 2012 تحقيق نمو لدخلها القومي بنسبة 14 في المئة على اربع سنوات، ويقارن المعلقون هذه النسبة بنسب الانكماش في اوروبا وانحصار النمو خلال هذه الفترة بنسبة ثلاثة في المئة في الولايات المتحدة، وتاليا يعتبر المعلقون ان هذه النتائج تمثل انجازاً كبيرا.
في المقابل، ماذا حقق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في لبنان؟
في البداية لا بد من القول انه ابتكر برامج لتشجيع التسليف المدعوم للسكن، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمشاريع البيئية، كما المشاريع التي تساهم في تأمين الطاقة او توفيرها، والمهم انه بدأ هذه المسيرة التي ساهمت في رفع معدلات النمو، منذ عام 2007، أي قبل تبدي ملامح الازمة المالية العالمية. فهو استشعر حاجة لبنان الى تعزيز الانماء بعد معاناة البلد خسائر ملحوظة في الارواح والتجهيزات الاساسية، خلال حرب صيف 2006، التي رسخت الانطباع ان لبنان ليس لقمة سائغة لاسرائيل.
ولا شك في ان المساعدات التي توافرت للبنان بعد حرب 2006 ساعدت على اطلاق مشاريع اعمارية كبيرة، كما حققت قفزات ملحوظة في المجالات المالية، والبرامج الاقراضية لمصرف لبنان دفعت النمو الى مستويات لم نشهدها حتى في سنوات توافق اوسع وسلام اشمل. فالنمو في لبنان، وان تباطأ بصورة ملحوظة خلال 2011 و2012، بلغ منذ 2009، سنة القياس لأداء الاقتصاد الاسرائيلي، نسبة 20-21 في المئة، في مقابل 14 في المئة لإسرائيل التي هلل لها بعض حكام المصارف المركزية الغربية.
عام 2012 شهد تقلصاً في للحركة السياحية وامتناعا عن زيارة لبنان من مواطني الدول الخليجية، وتردياً لإمدادات الكهرباء والمياه، وانخفاضاً في معدل النمو الى نسبة اثنين في المئة، وقد ساهمت الاوضاع المتأزمة في سوريا في توسيع اضرار بعض القطاعات في لبنان، واخصها القطاع الزراعي والقطاع السياحي.
لكن استمرار الحرب في سوريا وحاجات العائلات السورية الى خدمات التدريس، والسكن، والتجارة، دفعت العديد من رجال الاعمال السوريين الى لبنان، وقد ساهموا في خفض عجز ميزان المدفوعات خلال الربع الاخير من العام المنصرم وفي تحريك الطلب على المدارس وعلى استئجار الشقق او شرائها، وتصدير خامات الانتاج والمشتقات النفطية الى سوريا. وفي مقابل هذه الفئة الفاعلة ايجاباً في الاقتصاد اللبناني، شهد لبنان نزوحاً مأسوياً للسوريين الفقراء والبسطاء والذين يستحقون كل عناية من اللبنانيين، والدول العربية، والمجتمع الدولي.
في خضم الجو الضاغط على التوقعات والانكماش المتوسع وارتفاع الحاجات المالية، اقر لبنان بمبادرة من الحاكم برنامجا لتأمين ما يعادل 1،3 مليار دولار من التمويل المنخفض الكلفة عبر المصارف.
وكما في كل مرة، ارتفعت الابواق المنتقدة لهذا البرنامج على افتراض انه يفيد المصارف، والمنتقدون يتناسون ان تحريك برنامج كهذا يحتاج الى مؤسسات مهنية والمصارف هي المؤسسات الافضل استعداداً لهذا الدور، والفوائد التي ستحصل من المدينين لن تزيد على 4-5 في المئة وهي فوائد معقولة جدا لن تتوافر للبنانيين في الاحوال العادية.
غالبية الاموال مخصصة للقطاع العقاري لان هنالك فائضاً من الابنية والشقق يساهم إشغالها في تحريك الاقتصاد بأقصى سرعة، كما ان هنالك نسبة من القروض ستخصص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمبادرات التكنولوجية والبيئية والتربوية والسياحية.
وفي حال تحقيق امكان ضخ الاموال للاستخدامات المعنية ولو اقتضى الامر ستة الى تسعة اشهر، سيكون هنالك وقع ايجابي على الاداء الاقتصادي قد يساهم في تحقيق ارتفاع لمعدل النمو بنسبة 2،5-3 في المئة.
التحدي الحقيقي بات في وجه الحكومة، هذه او اية حكومة تؤلف بعد انتخابات منتظرة.
لا يجوز الاستمرار في الاعتماد على مبادرات مصرف لبنان وحدها، ولولا هذه المبادرات لشهدنا مرحلة انخفاض في حجم الدخل القومي، كما حدث في اوروبا، حيث بادرت المصارف المركزية الى دعم تحركات النمو وليس فقط الحفاظ على استقرار الاسعار.
لبنان كان سباقاً في معالجة جذور ازمة الانكماش وقد حافظ على طاقة للقيامة من جديد، لكن الاندفاع يحتاج الى اندفاع لدى الوزراء والنواب، وهؤلاء منشغلون فقط بقضايا الانتخابات وتحصين المواقع الانتخابية، ولو على حساب الاقتصاد، وحاجات الناس، وتدهور الخدمات الرئيسية واخصها الكهرباء، والمياه، والنقل، وتلوث البيئة، وارتفاع تكاليف الاتصالات، وابتعاد هذه الخدمات عن الحداثة والاعتمادية. ان تخصيص اعتمادات لزيادة طاقة الكهرباء واستعمال بعض اموال مصلحة مياه بيروت لاصلاح شبكات التوزيع وتفعيل استثمارات بقيمة 200 مليون دولار من اموال بلدية بيروت، خطوات ترفع النمو الى خمسة في المئة وهذا المعدل المطلوب استمراره لسنوات.