شهد لبنان في عصر الوصاية السورية عليه ثلاثة انتهاكات فادحة اساسية للدستور تمثلت في التمديد لرئيسين للجمهورية وتمديد ولاية مجلس النواب مرة في عام 2000، فيما كان الانتهاك الفادح بعد الوصاية سبعة اشهر من الفراغ الرئاسي الى حين انتخاب الرئيس ميشال سليمان. ومع ذلك شكل انتظام الدورات الانتخابية النيابية منذ عام 1992 الخط البياني الثابت للنظام في حدوده البديهية التي لولاها لا شرعية ولا مشروعية للدولة كلاً.
لم يكن من موجب لاثارة هذه الحقائق الآن لولا ظاهرة البحث عن ذرائع لتأجيل الانتخابات بألف حجة وحجة، ولولا الاستسهال المخيف لهذا الاحتمال كما بات يتناوله بعض الطاقم السياسي الذي يرشح جهلاً وفقراً مدقعاً في ثقافة الدولة وانتظام النظام. فماذا تراه يعني تأجيل الانتخابات بالاسود على الابيض؟
يعني اولاً ان لبنان يعلن جهراً ورسميا انه بعد ثلاثة عقود من الطائف انتهى الى دولة فاشلة، سواء بعنوان "تأجيل تقني" او بتمديد لمجلس نواب انتهت ولايته ولا شرعية للتمديد له.
ويعني ثانياً ان لبنان يعلن قصوره عن حكم نفسه بنفسه وافلاس مكوناته السياسية جميعا وانهيارها امام مسؤولية الاستحقاقات الدستورية.
ويعني ثالثاً ان اللجوء الى الاجراءات الاستثنائية، التي لا تبررها سوى حروب كبيرة داخلية او خارجية او كوارث طبيعية في مواعيد الاستحقاقات، سيعيد لبنان بقوة هائلة الى مرتبة البلدان "القبلية" كأنه لم يكن يوما قبلة ديموقراطية ونقطة تمايز وتميز في كل هذا الشرق البائس.
ويعني رابعاً ان مجمل ازماته السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية سيتجمع مرة واحدة عند نقطة احتقان متفجرة ستطيح بالحكومة واكثريتها والمعارضة والمؤسسات من دون اي تمييز او تفرقة او فرز. ولن يكون ثمة جاهل اكثر من مستسهلي التأجيل سوى اولئك الذين يرسمون احلام اليقظة بامكان السيطرة السياسية على البلاد في ظل التمديد اللاشرعي لمجلس النواب والحكومة سواء بسواء.
ويعني خامساً ان ما لا يزال ممكنا الآن، مع مشارفة نهاية العد العكسي للمهلة القانونية والدستورية لوضع قانون انتخابي جديد، سيغدو بعد التمديد او التأجيل اقرب الى الاستحالة. بمعنى ان الجميع الآن هم امام ساعة الحقيقة ولحظة الحشرة الحاسمة. ولكن في حال وقوع المحظور وحصول التأجيل وتعاظم الاخطار الاقليمية الوافدة من الازمة السورية مثل التورط الاسرائيلي الناشئ فيها، سيتفلت الواقع السياسي برمته من عقاله لأن احدا لن يملك معرفة ما سيحمله اليوم التالي. واذا كان للتورط الاسرائيلي ان يقول شيئا للبنانيين الآن، فهو ان شد الحزام الدستوري بات اكثر من اي يوم مضى واجبا ملزما، فاحذروا هذه "الشحمة" القاتلة على "فطيرة " مسممة اصلاً.