#adsense

“النهار”: هل سيكون مجلس الشيوخ مؤسسة ضامنة تحاكي هواجس الطوائف في نظام طائفي مستعر… أم أن الطرح سابق لأوانه؟

حجم الخط

كتبت ألين فرح في صحيفة "النهار":

فجأة، تلازم الحديث عن وضع قانون جديد للانتخابات النيابية وضرورة انشاء مجلس الشيوخ، كما ورد في اتفاق الطائف. هذه الدعوة أطلقت بعد بروز مشروع اللقاء الارثوذكسي كخيار يمكن اعتماده لاجراء الانتخابات النيابية. فما هو دور مجلس الشيوخ؟ وهل سيكون على غرار بقية المجالس التي انشأتها الدولة ولا تحظى بأي اهتمام أو دور؟ في المبدأ هل التوقيت مناسب حالياً لإنشاء مجلس شيوخ؟

جاء في المادة 22 من الدستور اللبناني (المعدّلة العام 1990) ما حرفيته: "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية". لكن أحد البرلمانيين الدستوريين يؤكد أن طرح انشاء هذا المجلس سابق لأوانه، "لأننا الى الآن لم نشكل مجلساً وطنياً منتخباً خارج القيد الطائفي، كما ورد في الدستور وبعده انشاء مجلس الشيوخ، ثم ان مجلس الشيوخ في حاجة الى تحديد صلاحياته وذلك عبر قوانين دستورية وليس قوانين عادية".

في حين يرى وزير الداخلية السابق المحامي زياد بارود أن طرح اللقاء الأرثوذكسي كان بمثابة "بدل ضائع" عن مجلس الشيوخ. ويعتبر "أن عدم تطبيق إتفاق الطائف لجهة استحداث هذا المجلس الذي من المفترض أن تتمثل فيه مختلف العائلات الروحية، كما جاء في المادة 22 من الدستور المشار اليها، هو الذي ساهم في تطييف الطرح".

من ناحيته، يقول الدكتور فارس ساسين انه مع التركيبة المزدوجة للبنان "انطلاقاً من فكرة أطلقناها في المركز المدني للمبادرة الوطنية. فلبنان بلد فيه طوائف وجماعات ومواطنون، لذا يجب ان يكون هناك نظام يأخذ في الاعتبار الجماعات والأفراد أي المواطنين على حد سواء. فهناك ضرورة لوجود مجلسين، أحدهما للشيوخ (تتمثل فيه الجماعات) والنواب (يتمثل فيه الأفراد)، أحدهما يكون الانتخاب فيه على اساس طائفي والآخر على أساس غير طائفي". وفي رأي ساسين ان مجلس النواب الحالي أقرب ما يكون الى مجلس الشيوخ المرتقب، لأن الانتخابات التي أنتجته حصلت على أساس الطوائف، والنظام تتقاسمه الطوائف. ويؤكد ان النظام اللبناني حالياً "سقط لأن أي طائفة ترفض البحث في اي موضوع تصاب الدولة كلها بالشلل. لذا توجد ضرورة لوجود نظام ينتج سلطة، ويجب ان يكون هناك نظام برلماني اي وجود حكومة مسؤولة امام مجلس يعطيها ثقته او يطرح الثقة بأحد الوزراء أو بالحكومة، وهذا غير موجود حالياً بسبب النظام الطائفي".

لكن المصدر البرلماني يرى "ان الجميع كان مستمراً في اللهو في عدم تطبيق اتفاق الطائف منذ وضعه الى الآن، في حين اننا منذ العام 1992 الى اليوم لا يوجد مجلس نيابي شرعي، بل مجالس قانونية صادرة وفقاً لقوانين، وهذه هي المحنة الحقيقية. وبعد العام 2005، أي بعد الانسحاب السوري من لبنان، لم يدركوا انه على اللبنانيين ايجاد طريقة للتمكن من حكم أنفسهم بأنفسهم من دون وصاية، فاستمروا في التلهي بالقضايا الوطنية كأنها تسلية. وشيئاً فشيئاً أخذوا مواقف آنية وتكتيكية، فوقعوا جميعهم أسرى مواقفهم وهم في حاجة الى من ينقذهم من هذا الأسر. فالتخبط سببه هذا الوضع وغياب الجهة الضامنة، وأثبتوا أنهم الى الآن غير قادرين على وضع قوانين على قياس الوطن، في حين ان قانون الانتخاب هو الممر الاجباري للإنقاذ ولتجنيب لبنان أخطاراً مصيرية، فضلاً عن انه الممر الاجباري بما هو أداة وترجمة عملية لصيغة العيش المشترك، وبما يؤدي الى استقرار سياسي ذلك انه لا امكان لنهوض اقتصادي من دون استقرار سياسي".

ليس جديداً

كما بات معلوماً، فإن الكلام عن مجلس الشيوخ ليس جديداً، إذ كان هذا المجلس موجوداً في دستور 1926، ثم حصل إصلاح دستوري وألغي العام 1927. لماذا ألغي؟ وما كان عمله في 1926 – 1927؟ يجيب ساسين بأنه ألغي "عندما كان يرأسه الشيخ محمد الجسر وكانت مشكلته تدخّله في كل الأمور، مما أدى الى شلل الحكومة".

بارود يذكّر بأن لبنان عرف "نظام المجلسين" (bicamérisme) بين 1926 و1927 وينظر إلى مجلس الشيوخ على أنه احدى وسائل إدارة التنوع اللبناني من خلال الصيغ الدستورية والمؤسساتية، ويضيف ان مجلس الشيوخ، لو استحدث، سيكون بمثابة مؤسسة ضامنة تحاكي هواجس الطوائف في نظام طائفي مستعر، خصوصاً من خلال شمول صلاحياته "القضايا المصيرية"، كقوانين الانتخاب والجنسية والموازنة والحرب والسلم والمعاهدات الدولية… وقد وردت كلها في المادة 65 من الدستور بالنسبة الى التصويت بأكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، التي يعتبر بارود أنه في الإمكان الاستئناس بها.

من جهته، يرى ساسين ان اليوم مطلوب مجلس شيوخ غير الذي كان على أساس دستور 1926، يلعب دور الرادع بالنسبة الى مجلس نواب منتخب على أساس لا طائفي، وهو يمثل الجماعات ويكون مانعاً للازدواجية. لكن كيف ينتخب؟ وما هي صلاحياته؟ هذان السؤالان غير محددين الى الآن. يمكن ان يكون على أساس ما سمّي باللقاء الأرثوذكسي، أي هدفه الأساسي ان يمثل الطوائف، علماً ان الدستور يقول بتمثيله الطوائف والمناطق…

لذا، يشدد ساسين على ضرورة وجود اتفاق واضح بين من يدعون الى انشاء مجلس الشيوخ على كيفية انتخابه وما هي صلاحياته، ويجب ان ترتبط بكيفية انتخاب مجلس النواب على أساس غير طائفي، "وذلك اذا كانوا فعلاً يريدون تطوير النظام".

خوف من التأجيل؟

لكن هل ثمة جدية فعلية في انشاء في مجلس للشيوخ؟ وهل سيكون عمله على غرار بقية المجالس التي أنشئت (كالمجلس الاقتصادي الاجتماعي مثلاً) من دون الأخذ في رأيها؟ يبدي بارود تخوفاً من أن يكون استحداث مجلس للشيوخ مؤجلاً إلى أجل غير مسمّى، ما لم يعدّل الدستور لجهة التوقيت وتقديم استحقاق على آخر. يوضح إن المادة 22 من الدستور تنص على استحداث مجلس للشيوخ "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي"، ويعتبر أن تقديم إلغاء طائفية التمثيل النيابي على انتخاب مجلس الشيوخ الطائفي التمثيل هو كمن يضع العربة أمام الحصان، ويقترح "توخياً لمخارج أزماتنا التمثيلية المرتبطة وثيقاً بالحالة الطائفية المستعرة" أن يصار إلى انتخاب مجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية (تلطيفاً لعبارة الطوائف، وفق بارود) تخضع لتصويته كل القضايا المصيرية، فتطمئن الطوائف عبر شيوخها، وذلك قبل أي خطوة أخرى. وإذ يقر بارود بأن ذلك يستوجب تعديلاً للدستور، فإنه يرى أن التعديل يصبح تفصيلاً إذا كان ثمة توافق على انتظام الحياة السياسية عبر إدارة التنوع من خلال المؤسسات الدستورية.

أما ساسين فيرى ان مجلس الشيوخ سيكون منتخباً وليس كبقية المجالس، "ولا خوف على عمله، وكونه منتخباً فالخوف منه أن يأخذ من سلطات سواه، لكن ثمة صيغة تجريبية لا بد من المرور بها لتحسين العمل، وبالتالي تمنع تعدّي أي سلطة على حريات الطوائف والأفراد".

المصدر:
النهار

خبر عاجل