
كانت الإطالة في قضية المشروع الارثوذكسي للانتخابات النيابية المقبلة مقصودة في الشكل والمضمون، اعترف الرجل خلالها بأن لدى المسيحيين هواجسهم لكنه استذكر أيضاً (لمَن نسي أو تناسى) كيف أن القوانين الانتخابية السابقة أيام الوصاية السورية كانت تُفصّل لضرب الرموز الإسلامية وعلى رأسها الشهيد رفيق الحريري… اذاً، موضوع الهواجس يُحلّ بالاعتراف لا بالإنكار، وبالجدية لا بالمزايدات، وبالحلول الوطنية لا بالمصْلحيّة الآنية، ومنها ما تقدّم به من مشروع متكامل أهمّ ما فيه ارتكاز الانتخابات المقبلة على الدوائر الصغرى وقيام مجلس الشيوخ كمنطقة تَوازُن للمجموعات الروحية المكوّنة للبنان، إضافة إلى اللامركزية الإدارية الموسعة والخطوط الإساسية للسياسة العامة للدولة في ما يتعلق بالداخل والخارج.
رأى الحريري في موضوع الانتخابات على أسس طائفية ومذهبية عودة إلى زمن الكهوف والمغاور. تفرقة واحتراب. قال إن ولادته السياسية في 14 آذار (مارس) 2005 كانت بمنظر راهبة تحتضن الصليب فوق ضريح رفيق الحريري وشيخ يتلو القرآن وقس يصلي. رأى في قسَم الشهيد جبران التويني بأن يبقى اللبنانيون موحّدين بمسلميهم ومسيحييهم ميثاقاً مكمّلاً للدستور اللبناني وخصوصاً أن صاحب الميثاق وقّعه بالدم. هو ابن لحظةٍ تاريخية كانت البداية الحقيقية لإعادة الاعتبار للرأي العام العربي في وجه سلطةٍ لا تعترف بوجوده. ابن مشهدٍ وطني لوّنته الشهادة والتضحيات والحصار والمقاومة. ابن قيامة جديدة للبنان فجّرها استشهاد رفيق الحريري ورفاقه… هذا المشهد استمرّت محاولات اغتياله حتى اللحظة، جسدياً وسياسياً، لأنه النقيض التام لمشهدٍ آخر يأخذ لبنان الى منطقة أخرى، لذلك يرفض سعد الحريري أن يشارك في اغتياله بعدما فشل الآخرون في ذلك رغم كل فوائض القوة والسلاح و"المال النظيف" التي في حوزتهم.
ومَن يرفض مشروعاً طائفياً مذهبياً للانتخابات احتراماً لمبادئه ولولادته السياسية، لا يمكنه النفاق في رفض الزواج المدني الاختياري لمَن يريد من اللبنانيين واللبنانيات خوفاً على موقعه من سهام المرجعيات الدينية. سعد الحريري هو رئيس الوزراء اللبناني الوحيد الذي قال لمفتي الجمهورية أن تكفير الناس ممنوع عليه، وأن الغلو والتطرف والتعصب هي المعاول الحقيقية لهدم الإسلام، وانه إن كان يرفض شخصياً الزواج المدني ولا يسمح لأولاده به إلا أنه لن يقف أمام خيارات الناس.
كان سعد الحريري متجدداً في كل شيء، في رفْضه السجال الحاد مع حلفائه أو نصف حلفائه أو أصدقائه أو ربع أصدقائه. قال إنه سيشارك في الانتخابات حتى وفق المشروع الارثوذكسي إذا أُقرّ لأنه لا يؤمن إلا بالمشاركة الإيجابية. اعترف بأن مشاكله المالية موجودة لكنه ابن مشروع سياسي وليس ابن مشروع تجاري. اعترف بكل نقاط الخلاف والاختلاف داخل منظومة 14 آذار. اعترف بأنه يتمنى (ويعمل ربما) لإنهاء حكومة "حزب الله" الراهنة وانه يدعم الثورة السورية. اعترف بأخطائه شخصياً وأهمها النوم في قصر الأسد مضطراً كرئيس لحكومة لبنان. اعترف بأن سياسة اليد الممدودة أعطت نتائج سلبية لكنه لن يغيّرها… واعترف بأنه خسر في مواقع كثيرة إنما "صحتين على قلبهم" متمنياً فقط أن يتقوا الله في لبنان وأن يلتزم الجميع بالأصول الديموقراطية.
ربما كانت مواقف سعد الحريري "المتجدّدة" موجّهة إلى حلفائه بالدرجة نفسها الموجّهة الى خصومه كما إلى أنصاره وخصوصاً أولئك الذين أطلقوا الرصاص ابتهاجاً.