#adsense

قال لنا سعد، وقال لي أوغلو

حجم الخط

في لقائه التلفزيوني الخميس المنصرم، قال سعد الحريري إنه بدأ يمارس رياضة الملاكمة. وبدا واضحاً أنّ سعداً بعد هذه المقابلة، غير سعد الحريري ما قبلها. وسعد الجديد، جمع الى سعد القديم، شيئاً من الطيّب رجب أردوغان ومحمد علي كلاي. عرف كيف يتراقص على حلبة الملاكمة الانتخابية، كما كان يتراقص محمد علي كلاي ليُتْعِبَ منافسيه.

كان كلاي يحوز إعجاب الناس، إن خسر أو ربح. هكذا سعد الجديد، انضمّ الى قافلة الرموز التي لا تتأثر "رمزيتهم" بخسارة أو انتصار. كان كلاي رمزاً اسلامياً حظي بشعبية عالمية، على رغم أنه كان مسيحياً قبل اعتناقه الإسلام. وعندما اشتدّ الخوف الغربي من التطرّف الاسلامي، كان الغرب يلجأ الى محمد علي كلاي، متمنياً أن يكون المسلمون على صورته ومِثاله.

مُشاكساً كان محمد علي، ومعارضاً لسياسة أميركا في الخارج والداخل، وعلى رغم ذلك أَحَبَّهُ الأميركيون، وخطب ودّه رؤساء البيت الابيض، وأحاطوه بمراسم التكريم. اشتهر محمد علي بكلام التحدي يوجهه الى منافسه قبل المباراة وأثناءها وبعدها.

وكان الناس يؤخَذون بسِحر الرجل، بمَعزل عن النتيجة. سعد الحريري هذه المرة تحدّى وابتسم وتكلّم بصوت عالٍ واثق، فأهدى إليه أنصاره حزام البطولة، غير آبهين إن حظيت مبادرته بحظوظ النجاح أو ذهبت أدراج الرياح.

والأهمّ لم يعد جمهور سعد الحريري مهتماً بنتائج الانتخابات المقبلة، لقد ربح "رمزاً" لإسلام لبناني جديد. وفي لبنان تُستمَدّ الزعامة أحياناً من خسارة الانتخابات لا من الفوز بها! المقابلة التلفزيونية لم تُغَيِّر في "إسلام" سعد الحريري، بل ظَهَّرَتهُ على حقيقته، وقَدَّمَتهُ للمسلمين كما يجب أن يكونوا، وللمسيحيين كما يجب أن يكون حسن ظنّهم بالمسلمين! رفض محمد علي أن يحمل سلاح الجيش الاميركي ودخل السجن.

ورفض سعد الحريري سلاح جيش الدويلة ودخل سجن الحيطة والحذر. وهل من غير السجون السياسية والحِصارات الأمنية يخرج زعماء لبنان؟ اللبنانيون لا يحبون الزعيم الضحية. يريدونه رمزاً أو شهيداً، وسعد الحريري انضمّ الى هذا النادي ليل 31 كانون الثاني 2013.

الإسلام اللبناني الجديد الذي ظهَّرَه سعد الحريري، ليس إسلاماً معزولاً في جغرافية المنطقة وتاريخها المعاصر. تَبَيَّنَ بالوَجه الوَضّاح والنبرة الشبابية والموقف الجريء أنّ لأردوغان التركي زميلاً لبنانياً. على بعد كيلومترات من عندنا إسلام سياسي حاكم تحت صورة "فارض" العلمانية أتاتورك.

"حكم إخوان" تركيا ولم يزيلوا الصورة، ولم يلغوا الزواج المدني، ولم يَمنعوا شرب العرق في المطاعم، ولم يَفرضوا الحجاب، ولم يَخرجوا من الحلف الاطلسي، ولم يُقفلوا المصارف غير الإسلامية، ولم يُعيدوا كاتدرائية آيا صوفيا مسجداً وحافظوا عليها متحفاً، ولم يلاحقوا الناس في الشوارع ليصلّوا أو يصوموا. والأهم الأهم، أخرج "إخوان تركيا" هذا البلد من العالم الثالث.

أقاموا نهضة اقتصادية لا مثيل لها في زمن الأزمات الاقتصادية التي تضرب اوروبا وتكاد تطيح جارتهم اليونان. سعد الحريري يريد أن نعود الى الكلام في الإنماء واللامركزية الادارية. ليس مهتماً بأمور كثيرة تُشغل المفتي فيما المطلوب واحد: أن نعيش بحرية ورغد وسلام. سَيُسَجِّلُ له التاريخ أنه وَقف مع الزواج المدني، فيما غيره يريد الطلاق من حتميات التاريخ ومتطلبات الحداثة.

الأسبوع المنصرم كنت في اسطنبول للقاء صحافي مع وزير الخارجية احمد داوود أوغلو. هذا "الإسلامي" لا يريد الكلام إلّا في الاقتصاد. يبدو أن الاقتصاد هو الحل. يشرح مُتحسّراً على إمكانات المنطقة العربية بشرياً وسياحياً قبل الاستفاضة في تعداد الثروات الطبيعية.

قال أوغلو: "ليس عندنا نفط، وقمنا بهذه القفزة، فماذا تنتظرون يا عرب"؟ لم يأتِ على سيرة الممانعة والعدو الاسرائيلي، تكلّم على الأعداء الداخليين: الجهل، المغالاة، الاستبداد، التطرف. غضب جداً عندما سألناه عن "الفتنة" بين السُنة والشيعة.

وقال: "أنتم تعيشون في سجن الماضي. ماذا يعني سُنّة؟ ماذا يعني شيعة؟ لقد افتتحنا 22 سفارة في افريقيا، هكذا تصبح دولة مهمة. نحن في أصغر قرية لدينا كهرباء 24 ساعة في اليوم، ولدينا بواخر لتوليد الكهرباء.

ونحن سنبني اكبر مطار في العالم"! شخصياً، وجدت نفسي مُجبراً على أن أصَدِّقهُ عندما سكت لحظات، وأضاف: "سنجعل تركيا ومنطقتنا مركزاً للحضارة في العالم"! وعلى عكس ما يعتقد السُذَّجُ في لبنان، تجربة "الاخوان" في تركيا حَشرت الإسلام السياسي ووضعته على طريق جديد وقويم.

أصبحنا نقيس نجاح الإسلام السياسي في الاقتصاد والانفتاح، بِقَدْرِ ما يقترب من التجربة التركية، ونقيس فَشله، في مصر وليبيا وتونس، وغداً في سوريا، بِقَدْرِ ما يبتعد عن أردوغان وأوغلو وغول، وسعد الحريري! كلام الحريري ليل ذلك الخميس كان أكبر من قانون انتخابات.

لم أعد مهتماً على أيّ قانون سنَرسو، ولم أعد خائفاً أن تخسر 14 آذار أربعة مقاعد نيابية أو خمسة، أصبحت خائفاً أن نخسر نائبين أو ثلاثة نواب قتلاً وتفجيراً، إذا مشى وليد جنبلاط مع سعد الحريري ومسيحيي 14 آذار. يا لها من مصيبة مُحدقة، مُضافة اليها شماتة الأتراك بنا!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل