كتب رضوان مرتضى في صحيفة "الأخبار":
هذه المرة، لم ينفذ مكتب مكافحة المخدرات (في البقاع) عملية دهم لتجار الحشيشة والكوكايين وغيرها. انقلبت الأدوار جزئياً. تعرّض المكتب لعملية دهم، لكن ليس من التجار المطلوبين، بل من قاضٍ على رأس قوة من الشرطة القضائية.
تدخل امرأة مكتب قاضٍ في قصر عدل زحلة، مدّعيةً أن ضابطاً ورتيب تحقيق يُرهبان زوجها (قطري الجنسية)، الموقوف بجرم تعاطي المخدرات. تقول إنه يتعرّض للابتزاز ويُساوَم على حريته في مقابل مبلغ 25 ألف دولار. أثناء وجودها، يرنّ هاتفها فيظهر رقم زوجها الموقوف. هنا تخبر القاضي: «إنه العسكري الذي يطلب المال». يطلب إليها القاضي عدم الرد على المكالمة. بعد لحظات، يردها اتصال آخر، لكن من هاتف مكتب مكافحة المخدرات في البقاع. ردت على الاتصال بهدف تضييع الوقت لا أكثر. خلال الاتصال الثالث، تردّ المرأة، بتوجيهٍ من القاضي، قائلة: «آلو محمد (زوجها)، تأمّن 15 ألف دولار، بيمشي الحال؟». تكرر الجملة، فتوقع بالرتيب الذي يدعوها للحضور إلى مكان عمله. كان هذا الاتصال مُسجّلاً حينها.
هذه الرواية تسردها مصادر أمنية لـ«الأخبار»، متحدثة عن «فضيحة غير مسبوقة». تعود بالرواية إلى بدايتها. مطلع الأسبوع الماضي، أوقفت دورية من مكتب المخدرات في البقاع المشتبه فيه روجيه خ.، المطلوب بجرائم سلب سيارات وسرقة وترويج مخدرات، فيعترف بأنّه يبيع الكوكايين لشابّ قطري. إثر ذلك، أُوقف القطري فأجري له فحص مخبري ثلاث مرّات، إلا أن النتيجة كانت في كل مرة، سلبية. لدى استجوابه، يعترف بأنه يتعاطى الكوكايين، مشيراً إلى أنه أقلع عن ذلك منذ أكثر من شهر. هنا، تكشف مصادر أمنية مطّلعة على التحقيق، أنّ القطري أوقف عشية الخميس، إلا أن المؤهل أول ز.ح. لم يُنه استجوابه قبل السبت. وبحسب المصادر، فإن رتيب التحقيق أوهم الموقوف بأنّه سيُتّهم بكونه شريك الموقوف روجيه خ. في جرائمه. وتنقل المصادر أن المؤهل، ليلة التوقيف، أعطاه هاتفه الخلوي طالباً إليه الاتصال بزوجته لتحضر.
في اليوم التالي، تحضر الزوجة برفقة والدها ورقيب في قوى الأمن. يستضيفها الرتيب في مكتب الضابط. وبحسب الرواية، كان المقدم ا. ز. آنذاك موجوداً، لكنه غادر المكتب من دون أن يتلفّظ بكلمة. عندها أخبر الموقوف زوجته بأنّ «الجماعة بدّن مصاري»، مشيراً إلى أنّهم خيّروه بين أن يُسجن سبعة أيام أو سبع سنين. ولمّا استفسرت عن الكيفية، أخبرها بأنهم سيُلصقون به التُّهم التي ارتكبها موقوف آخر، طالباً إليها توفير المال. وتُضيف الرواية أنّه إثر مغادرتها، أعاد الرتيب إدخال الموقوف القطري إلى مكتب الضابط: «هذه المرة، كان كلامه مباشراً. فعدد الرتيب تُهماً زعم أن الموقوف القطري متّهمٌ بها». وأردف سائلاً الضابط: «كيف يُمكننا إخراجه كالشعرة من العجينة؟». ثم أضاف: «هل يكفي 7000 دولار؟». وبحسب الرواية، هزّ الضابط كتفيه بالرفض. فيعقب الرتيب: «15000 دولار؟». هنا يردّ الضباط بأن قضيته صعبة، مشيراً إلى أنها قد تُطيح النجوم على كتفيه. عندها يرفع الرتيب المبلغ قائلاً: «25000 دولار؟». يبتسم الضابط ابتسامة الرضى. وبعد الاستفسار عن طبيعة عمل الموقوف كمقاول ومدخوله الشهري، تنتهي المفاوضات ليطلب الرتيب من الموقوف الاتصال بزوجته للقدوم، مشترطاً عدم اصطحاب الرقيب الذي كان برفقتها. تحضر وحيدة نهار السبت. تجلب فطوراً لزوجها الذي يطلب إليها الاتصال بأهله لتأمين المال لإخراجه. فتغادر قاصدة محاميها الذي يُقنعها بالذهاب للادعاء على الرتيب والضابط. عندها يقصدان معاً مكتب المحامي العام القاضي زاهر حمادة، فيشهد بدوره على جرم التماس الرشوة، إذ صدف أن اتصل الرتيب من هاتف زوجها خلال حضور القاضي. هنا يحرص القاضي على التحقق من مدى تورط الرتيب، فيشير إليها بعدم الإجابة. تُرسل رسالة قصيرة تتذرع فيها بأنها لم تُجب لأنها تتواصل مع أهله لتأمين المال. فيتّصل المؤهل أول فوراً مستنكراً إرسال الرسالة، ويطلُب إليها معاودة الاتصال على رقم زوجها بعد عشرة دقائق. فتفعل بتوجيه من القاضي، مكررة جملة: «ألو محمد، تأمّن 15 ألف دولار… بيمشي الحال؟». في المرة الثانية، يزلق الرتيب قائلاً: «بما أنك في زحلة، تفضّلي على المكتب». فتكون تلك، بحسب المطّلعين على التحقيق، دلالة على أنه كان على علم مسبق بأنها خرجت لتوفير مال الحوالة من قطر، هذا فضلاً عن مخالفة إبقاء هاتف الموقوف في حوزته، فيما يُفترض أن يكون مقفلاً بين المضبوطات.
وبعد مراجعة النائب العام فريد كلاس، يُنفّذ القاضي حمادة عملية دهم، بمؤازرة قوّة أمنية من فصيلة زحلة القضائية بإمرة رائد، لمكتب المخدرات. يطلب القاضي الاستماع إلى الموقوف القطري بحضور الرائد والكاتب، فيعترف بأنه يتعاطى المخدرات، مكرراً تفاصيل الابتزاز. يطلب القاضي استجواب المؤهل أول ز.ح. فيسأله عن سبب إبقاء هاتف الموقوف بعهدته، فيردّ الأخير بأن دافعه إنساني. يُنكر كل ما يُحكى عن ابتزاز وطلب أموال، لكن عند مواجهته بمضمون الاتصال يعترف، ولا يلبث أن يستدرك قائلاً إنه لم يُحدد مبلغاً معيناً. ولدى سؤاله عما إذا كان الضابط على علم بالأمر، يردّ بـ«أبداً». في تلك الأثناء، يصل المقدّم، فيطلب القاضي استجوابه. يُنكر الضابط كل ما يُنسب إليه من اتهامات، ملمّحاً إلى تورّط الرتيب، لكن لدى إيحاء القاضي باحتمال وجود تسجيل لمضمون الجلسة التي طلبا فيها منه 25 ألف دولار، يطلب الضابط سماع التسجيل، فيوافق القاضي، لكنه يستبق ذلك بسؤاله: هل يُعقل أن يكون الرتيب قد فاوض على المبلغ من دون أن تسمع؟ فيرد بـ«ممكن».
إزاء ذلك، أشار القاضي بتوقيف كل من الضابط والرتيب بناءً على إشارة المدعي العام للتمييز حاتم ماضي. صباح الاثنين الماضي، يحضر كل من النائب العام في البقاع فريد كلاس وقاضي التحقيق الأول أحمد حمدان جلسة استجواب جميع الموقوفين، فتُصدَر مذكرات توقيف بحق الجميع. وبعد ثلاثة أيام، يُخلي قاضي التحقيق الأول سبيل كل من المقدم ا.ز. والمؤهل ز.ح.، المتهمين بجناية التماس رشوة، في مقابل كفالة مالية قدرها 200 ألف ليرة، فيما يُخلى سبيل الموقوف القطري بجنحة تعاطي مخدرات مقابل كفالة مالية قدرها 500 ألف ليرة.
في مقابل الرواية المذكورة أعلاه، تردّ أوساط قضائية مطّلعة على التحقيق بأنه جرى تضخيم الحادثة، لافتة إلى أنّ الضابط بريء مما يُنسب إليه، لكنها في الوقت نفسه تترك الأمر للمحكمة لقطع الشكّ باليقين.