كتبت فاطمة حوحو في "المستقبل":
تتكرر في الآونة الأخيرة الحوادث الأمنية المتنقلة التي تشير إلى غياب الدولة عن الساحة، سواء في فاريا عندما احتج أهال من كفرذبيان على زيارة الشيخ أحمد الأسير، أو عندما وقع خلاف بين شاحنة وسيارة على أفضلية المرور في وطى الجوز، حيث تم شهر "سواطير" وكان الرد باطلاق الرصاص ما أدى إلى سقوط قتيلين، فيما جرت مفاوضات لتسليم القاتل بعد قطع الطرق والتهديد "بمعاقبة كسروان سياحياً وتفجير الحرب" على خلفية تحقيق العدالة التي يبدو أنها لا تتحقق إلا عن طريق تدخل "حزب الله" في مفاوضات، قبل أن تقوم المراجع الأمنية بدورها.
حتى سجناء "رومية" فرضوا أنفسهم على الأجهزة القضائية في قضية قتل غسان القندقلي، أما بالنسبة إلى ما يحدث في الضاحية الجنوبية من حوادث تفجير وجرائم قتل ومخدرات، فالحكاية تطول ولا من نهاية تكتب إلا إذا حصل المستحيل وسلّم "حزب الله" سلاحه للدولة. فعلى وقع الانقسام السياسي الحاد ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي يهتز الوضع الأمني وتوظف الأحداث الحاصلة في المبارزة الانتخابية، والدولة وأجهزتها غائبة عن الفعل والمتابعة، فيما قوى 14 آذار تراقب الانهيار وليس في "اليد حيلة" أمام سطوة السلاح وانحناء رأس الحكومة أمام من يهدد به ويستقوي بوجوده ضد سائر اللبنانيين. ولكن ماذا بعد؟
الزغبي: تغطية تفريغ الدولة
يرى عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار الياس الزغبي أن "ما يحصل ليس مصادفة، فمنذ أن تولت هذه الحكومة السلطة، كان الهدف الرئيسي لمشغّلها المزدوج "حزب الله" ونظام الأسد، تفريغ الدولة اللبنانية من محتواها على مستوى المؤسسات، وقد رأينا على مدى السنتين الماضيتين كيف تحولت الدولة إلى هيكل فارغ، ولذلك لا نستغرب كيف تتعامل بمنطق اللادولة ومنطق الهروب والتسوية والابتعاد عن كل ما يمت بصلة إلى مفهوم الدولة وأمنياً بالتحديد، ثم على مستوى القرارات الاجتماعية – الاقتصادية – الحياتية، هذا الشلل ليس شللاً بالمصادفة وبتقديري أنه شلل مقصود كي يسهل وضع اليد عليها نهائياً. هذه خطة محكمة يقوم بها "حزب الله" من خلال أدواته (الحلفاء)، خدمة للمشروع الأكبر الذي يمتد من الضاحية إلى دمشق إلى طهران".
ويؤكد أن "أخطر ما في هذا الأمر هو محاولة تغطية تفريغ الدولة وتجويفها بكلام فوقي يدّعي الحرص على الدولة وهذا ما سمعناه في خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، الذي من سمعه يعتقد للوهلة الأولى أنه حريص على بنائها وقيامها وهو في الواقع من يسعى عملياً إلى تدمير بناها".
ويجد أن "كل ما يحصل، من حادثة لاسا وطى الجوز إلى التفجير في الضاحية إلى سجن رومية والتسيب الحاصل في المرافئ والمطار وتسيب الحدود، يشير إلى أن هذا الأمر ليس دليل عجز فقط، بل برنامج وخطة محكمة، إذ منذ أن تولى هذا الفريق السلطة، يدأب على تفريغ لبنان من فكرة الدولة وكأنه يرد على مشروع 14 آذار "العبور إلى الدولة" والذي أردف بمقولة أخرى هي "العبور إلى السلام". والتركيز على أن بناء الدولة لا يقوم إلا من خلال السلام، إذ إن كل ما يجري الآن هو نقيض السلم الأهلي وبناء الدولة والمؤسسات، هذا ليس عملاً مجانياً، بل هو نتيجة مخطط خطير هدفه الاستيلاء على بقايا السلطة وإعادة تأسيسها على غاية وأهداف المشغّل".
السؤال الذي يطرحه كل مواطن هو إلى أين سنصل في ظل هذه الممارسات الأمنية الخطيرة؟ وماذا بإمكان 14 آذار أن تفعله؟ برأي الزغبي "14 آذار ليس لديها سوء نية، فهي تريد بناء الدولة وتسعى إلى تفعيل دورها ومؤسساتها وقد رفعت شعارات صادقة عبر طرحها "العبور إلى الدولة" ولكنها عاجزة بأدواتها الفنية عن تحقيق هذه العناوين، ليس فقط لأن هيكلها السياسي مترجرج أو متأرجح، خصوصاً في الآونة الأخيرة، بل لأن الوسائل التي تملكها ليست فاعلة بالشكل اللازم، ولكن هذا لا يعني أن 14 آذار غير قادرة على التأثير الإيجابي في مجرى الأمور وهذا التأثير سيكون حكماً من خلال الانتخابات، لذلك تحرص على إجراء الانتخابات في موعدها كي تكون مناسبة لتداول السلطة وإعادة الروح الديموقراطية وانقاذ المؤسسات".
فايد: الحكومة تنحني أمام "حزب الله"
بالنسبة إلى عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل" راشد فايد، فإن "الدولة لم تظهر مرة قدرتها على معالجة أي موقف أمني بحزم السلطة المخولة لها بحكم تكوينها وطبيعتها كمؤسسة، وطبعاً المسؤولية الأولى هي توفر السلاح بأيدي فرقاء، مما يشجع الجميع على التطاول عليها، بصرف النظر عن الكلام على المقاومة وسلاح المقاومة، خصوصاً أن هذا السلاح لم يعد يستخدم ولم يعد له أي دور فعلياً في وجه إسرائيل سوى التلويح والتهديد بافتعال حرب معها أو انتظار أن تعتدي علينا. فيستخدم هذا السلاح في الوضع الداخلي في فترة الاجازة والتي ستمتد طويلاً وهذا يشجع حاملي السلاح للبحث عن مكان أو حيز لاستخدامه وهو ما يتوافر في المشكلات الأمنية اليومية التي تطرأ في حياة أي مواطن، فعندما يجد المواطن نفسه مسلحاً يلجأ إلى استخدام السلاح والاستقواء به". ويقول: "إذا كان السلاح سيبقى في يوم ما ليستخدم من جديد، فلماذا إذاً نعيد البناء؟ فمشاريع البناء يجب أن تتوقف إذاً في حال كان هناك تهديد فعلي، وكيف يلوح بالسلاح وفي الوقت نفسه تتم دعوة شركات التنقيب للبحث عن النفط؟ ألا يزيد السلاح من مخاطر عدم حضور تلك الشركات لأنه يهدد المستثمرين؟".
ويرى فايد أن "ما فعله وزير الداخلية مروان شربل في حادثة لاسا ـ حراجل, أو في زيارة الشيخ أحمد الأسير إلى فاريا أو في أي حالة أمنية كما حصل في الضاحية الجنوبية في حي السلم، يعني أن المشكلة ليست في أن الدولة ضعيفة وإنما قادة هذه الدولة مقتنعون بأن الدولة ضعيفة ولا ضرورة لأن تمارس سلطتها وسطوتها في وجه أي كان. حتى في حالات واضح فيها أن هناك مجموعة أشخاص لا رابط لهم بهذه القوة السياسية أو تلك، تلجأ الدولة إلى تطييب خاطر الفرقاء وتستنجد ببعض السياسيين، ثم ترمي اليهم الفضل بأنهم حموا الوحدة الوطنية المهددة، فالدولة هي التي يجب أن تحميها لا هؤلاء الفرقاء".
ويشير إلى أن "الأمر وصل إلى حد التفاوض مع السجناء، وقد يكون هذا الأمر مقبولاً في أي دولة يتمرد فيها السجناء، ولكن أن تصبح هذه قاعدة تعامل مع هؤلاء السجناء وإعطائهم موقع القوة بتنازل من الدولة عن دورها، ففي ذلك ولا شك علائم ضعف مرفوضة في منطق الدول".
ويوضح أن "14 آذار لا تملك قوة مسلحة ولا تملك سلطة ولكنها تملك القدرة على الحض على أن تكون الدولة دولة بالمعنى الفعلي للكلمة تمارس دورها كما يجب وتتخلى عن منطق الاستعداء لتقديم تنازلات، لم تتصرف الدولة بقوة ولو مرة من المرات التي استخدم فيها السلاح في الشارع".
ويضيف: "14 آذار ليست في السلطة حالياً وهي ستلجأ إلى تشكيل الغالبية النيابية في الانتخابات المقبلة للجم سطوة السلاح، لعل ذلك يساعدها في إعادة بناء الدولة كما يجب أن تكون وتعيد للدولة سطوتها وسلطتها وللقانون دوره".
واكيم: وهج السلاح يتحكم بالساحة
اما الأمين العام لحزب "القوات اللبنانية" عماد واكيم، فيرى أن "لا وجود للدولة بشكل فعلي ولا وجود لمؤسساتها حتى تستطيع حل المشكلات الأمنية على الأرض، فسلاح "حزب الله" يحكم الساحة وسلطته تهيمن".
ويؤكد أنه "في ظل وجود دويلة في الدولة، تغيب عن المواطن اللبناني فلسفة الدولة وتهيمن فلسفة ميليشيوية وعشائرية وحزبية وطائفية وهو يلجأ إليها، لأنه يعرف أن وهج السلاح والسلاح نفسه أكثر تأثيراً وقادراً على التدخل في المؤسسات الأمنية والأجهزة القضائية، وبذلك يكون "حزب الله" قد ضرب الحلقة الحقيقية التي يجب أن تمر بها الأمور، والمواطن يتصرف بشكل خاطئ، وما حصل في لاسا أكبر مثال على ذلك".
ويشدد على أن "المطلوب قيام الدولة اللبنانية حتى لا نذهب أكثر نحو حالة انفلات أمني"، معتبراً أن "الشعب اللبناني إذا قرر إقامة الدولة فإنها ستقوم، إذ كانت هناك تجارب سابقة حين أثبت بالانتخابات الديموقراطية أنه مع مشروع الدولة، فالمواطن حين يصوت لمسار ضد مسار آخر، يكون واضحاً في خياراته، والانتخابات المقبلة ستنتج سلطة جديدة وسيحاسب المسؤولون الموجودون حالياً في الانتخابات هذا ما يقوله المنطق، ونحن ملتزمون بخيارات 14 آذار في قيام الدولة وقد تكون الانتخابات فرصة للمضللين من الفريق الآخر في أن يتخذوا خيارات إلى جانب الدولة وبسط سلطتها".